مجموعـة سعودي القانونيـة
09-23-2011, 05:57 AM
موضوع البحث :
اثر تبييض الأموال على الاقتصاد
مقدمة:
تشير العديد من المؤشرات إلى تزايد ظاهرة تبييض الأموال كأحد المخاطر الكبيرة للعولمة وبخاصة العولمة المالية .
إذ تعتبر ظاهرة تبييض الأموال من بين المشاكل التي تصيب اقتصاديات الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، حيث تعد صورة من صور الجرائم الاقتصادية التي تفشت بصورة كبيرة في الوقت الراهن، كما أنها ظاهرة تتصل بالمؤسسات المالية لا سيما البنوك ، بما توفره بعملياتها من قنوات كوسيلة يقوم عن طريقها متورطون في العمليات مشبوهة لتنظيف الأموال. وسنقوم فيما يلي بتقريب المفهوم عن ظاهرة تبييض الأموال كآفة اقتصادية حيث يخطأ البعض فهمه لهذه الظاهرة، فمنهم من يراها أنها نافعة للإقتصاد من حيث التردد ولكن الواضح والجلي أن هذه الظاهرة من أخطر المشاكل الاقتصادية التي تعصف بإقتصاديات الدول .
وفي محاولتنا للوقوف على واقع تبييض الأموال بالإضافة إلى إجراءات المكافحة والآثار المترتبة على الظاهرة ارتأينا طرح الإشكالية التالية :
ما هي آثار ظاهرة تبييض الأموال على الاقتصاد ؟
ويتفرع من هذه الإشكالية الأسئلة الفرعية التالية :
- ما هو مفهوم هذه الظاهرة، خصائصها، مختلف جوانبها، وآثارها الاقتصادية؟
- كيف تم مكافحتها ؟ و ما هو دور البنوك (الجهاز المصرفي) و مسؤوليتها في ذلك؟
- و ما هو واقع هذه الظاهرة في الجزائر؟و للإجابة على الإشكالية أعلاه و كذا الأسئلة المتفرعة عنها قمنا بتقسيم البحث إلى ثلاثة فصول كالتالي :
الفصل الأول : و تطرقنا فيه إلى مفهوم هذه الظاهرة و خصائصها و عوامل نموها، و كذا مختلف جوانبها من مصادر الأموال المبيضة فأساليب تبييضها، وخاصة آثارها الاقتصادية من الناحية النظرية على الأقل .
الفصل الثاني : و سردنا فيه أساليب مكافحة هذه الظاهرة على المستوى الدولي من اتفاقيات و معاهدات دولية، ثم على المستوى المحلي بحيث أوردنا بعض الأمثلة المتمثلة في تشريعات عينة من الدول، و في نهاية الفصل تطرقنا إلى مسؤولية و دور البنوك في مواجهة و مكافحة هذه الظاهرة .
الفصل الثالث : و تناولنا فيه واقع تبييض الأموال في الجزائر، حيث حاولنا إسقاط الجانب النظري على حالة الجزائر. لكن تجدر الإشارة إلى أننا لم نتعمق في التحليل و الدراسة بالنسبة للجزائر، حيث اعتمدنا على مراجع قليلة متمثلة في مذكرات نهاية الدراسة و بعض التشريعات، و ذلك نظرا لعمق الموضوع و شساعته مع ضيق الوقت .
الفصل الأول : مفهوم ظاهرة تبييض الأموال .
تعتبر ظاهرة تبييض الأموال من المشاكل التي تصيب اقتصاديات الدول و خاصة الدول النامية، حيث تعد صورة من صور الجرائم الاقتصادية التي تفشت بشكل كبير في الوقت الراهن، و سنحاول في هذا الفصل الالمام بواقع هذه الظاهرة من حيث مفهومها و خصائصها و كذا مختلف جوانب هذه الظاهرة و خاصة آثارها الاقتصادية .
المبحث الأول : ظاهرة تبييض الأموال وخصائصها .
لابد من تحليل ظاهرة تبييض الاموال حتى نتمكن من معرفة مفهومها ومن ثم يتجلى لنا خصائصها وعوامل نموها .
المطلب الأول : تعريف تبييض الأموال لا يوجد تعريف متفق عليه دوليا لظاهرة تبييض الأموال إلا أن هناك العديد من التعاريف الإجرائية أو الوظيفية والتي سنعرضها كالتالي :
1- " عمليات تبييض الأموال هي تلك العمليات التي يتم بمقتضاها إتخاذ أي سبيل لإخفاء المصدر غير المشروع للأموال وإظهارها في صورة أموال متحصلة من مصدر مشروع ، أو إخفاء الطبيعة الحقيقية للأموال المكتسبة من الانشطة المحظورة أو مصدرها أو ملكياتها في محاولة لتغيير هوية الأموال غير المشروعة لتكون الأموال تبدو في الصورة المشروعة ."
2- " عمليات تبييض الأموال هي عمليات يقوم بها ناشطين في محاولة منهم لإخفاء أعمالهم غير المشروعة لتمكنهم فيما بعد بالتمتع بالأموال التي جنيت من غير أن تتعرض مصادر أموالهم لأي خطر ."
3- " عمليات تبييض الأموال هي عمليات متتابعة ومستمرة في محاولة معتمدة لإدخال أموالهم القذرة الناتجة عن الأنشطة الخفية غير المشروعة التي تمارس من خلال ما يسمى بالإقتصاد الخفي في دور النشاط الإقتصادي للإقتصاد الرسمي او الظاهر، لإكسابها صفة شرعية عبر الجهاز المصرفي أو أجهزة الوساطة المالية الاخرى ." [1]
4- " يعني مصطلح تبييض الأموال أن هذه الأموال القذرة إذا بقيت في أيدي حائزها فإن ذلك يؤدي إلى اكتشافهم، وبالتالي فإن عمليات التبييض هي محاولة منهم بكافة الطرق إلى إلغاء الأصل غير الشرعي لهذه الأموال، وذلك كي يعاد استثمارها في أعمال اقتصادية بعيدة كل البعد عن الأعمال غير المشروعة التي حصلت منها هذه الأموال ."
وتجدر الإشارة أنه يجب التفريق بين مصطلح الأموال القذرة والأموال السوداء، فالأموال القذرة هي التي يتم الحصول عليها بوسائل غير شرعية مثل الإتجار في المخدرات، الدعارة....إلخ، بينما الأموال السوداء هي التي يتم الاحتفاظ بها سرا للتهرب من الضرائب . [2]
وتعود تسمية عمليات غسيل الاموال إلى قيام أحد أعضاء المافيا الامريكية بشراء مغسلة عامة لغسيل الملابس في مدينة شيكاغو، وكان يشترط على عملائه أن يحصل منهم على الثمن نقدا ، وكان يقوم بالإضافة جانب من أرباح تجارة المخدرات إلى عائد غسيل الملابس يوميا، ويقوم بإيداعه في فرع أحد البنوك القريبة ، ودون أن يرتاب أحد في أمر المبالغ الكبيرة التي كان يودعها وبفئاتها الصغيرة . [3]
وتشكل ظاهرة غسيل الأموال مشكلة عالمية إذ يقدر حجم الأموال غير النظيفة التي يتم غسلها أكثر من 800 مليار دولار سنويا . [4]
من خلال التعاريف السابقة نلاحظ بوضوح أن تلك الاموال الناتجة عن الأنشطة غير المشروعة من خلال الاقتصاد الخفي ، هي أموال قذرة يسعى من حصلوا عليها لتبييضها أي اكسابها المشروعية، وهم يجدون في معظم الأحيان أن استخدام القنوات المصرفية والمؤسسات المالية هي أفضل الوسائل لتنفيذ عمليات التبييض من خلال العمليات المصرفية والمالية .
المطلب الثاني : خصائص ظاهرة تبييض الأموال .
يمكن أن نميز بين ثلاث خصائص لهذه الظاهرة والتي تميزها عن الأنشطةالأخرى المالية، الخصائص الاقتصادية والإجتماعية والخصائص المصرفية .
الفرع الاول :الخصائص الاقتصادية :
من أهم هذه الخصائص مايلي :
1- عمليات تبييض الأموال هي انشطة مكملة لأنشطة سابقة أسفرت عن تحصيل كمية من الاموال غير المشروعة (القذرة ) الناتجة عن الإقتصاد الخفي .
2- تتسم عمليات تبييض الاموال بسرعة الانتشارالجغرافي في ظل العولمة، إذ لم تعد مرتكزة في عدد محدود من الدول ، بل اصبحت في ظل العولمة لا تقف عند الحدود .
3- تتواكب عمليات تبييض الاموال مع الثورة التكنزلجية والمعلوماتية ، خاصة في الوسائل التكنولجية التي تستخدم في نقل الاموال وتحويلها عبر الحدود .
4- ترتبط عمليات غسييل الاموال ارتباطا وثيقا بعمليات التحرير الاقتصادي والمالي ،في مايسمى بالعولمة المالية ، حيث ازيلت القيود على حركة رؤوس الاموال .
5- يزداد نمو هذه الظاهرة مع ازدياد الاتجاه نحو تحرير التجارة العالمية ،حيث لوحظ ذلك مع قيام الاتحاد الاوروبي واقامة النافتا وتحرير الخدمات خاصة المصرفية والمالية منها . [5]
الفرع الثاني :الخصائص الاجتماعية :
تكتسي ظاهرة تبييض الاموال الطابع الاجتماعي كونها تساهم في اضفاء الشرعية الاجتماعية على هذه الاموال والانشطة والاعمال غير الشرعية، ويتم ذلك عن طريق القيام بتبييض الاموال في كافة المشروعات والاعمال الخيرية التي تكون في المدن والاحياء الفقيرة مثل انشاء مؤسسات التكفل بالايتام والمعوقين او مؤسسات العلاج المجانية .
وتكمن الخطورة الاجتماعية لعمليات تبييض الاموال في ظاهرها الخيري كما في مرامها البعيد غير المشروع ،فمن حيث ظاهرها لاشك ان مثل هذه المشروعات ستلقى اهتماما جماهريا وشعبيا قد ترقى الى التأييد السياسي، أما من حيث مرامها البعيد فإن هذه النشاطات الخيرية في ظاهرها تبقى أصولا اقتصادية لا يمكن التقليل من أهميتها سواء على المدى البعيد أو القصير .
الفرع الثالث :الخصائص المصرفية :
ترتبط عمليات تبييض الاموال بالعمليات المصرفية وما تقدمه المؤسسات المالية خاصة البنوك من عمليات وتقنيات حديثة ،كالتحويلات المصرفية الفورية الالكترونية وبطاقات الائتمان ودخول وسائل الاتصال الحديثة كالانترنيت وغيرها، وأصبح التعامل بها مابين المؤسسات المصرفية وعملائهم جعلت هذه المؤسسات الوسيلة المثلى من اجل تبييض الاموال القذرة .
ولا يكاد يقتصر القناع المصرفي على المؤسسات المصرفية المعروفة التي قد تتحول الى ادوات تبييض الأموال لحسن نية أو عن طريق التواطؤ أو الإهمال، والأكثر من ذلك هناك مصاريف تنشأ من أجل القيام بعملية تبييض الأموال، وفي الحقيقة نجدها تفتقد فعلا للمقومات الأساسية للمؤسسات المصرفية .
والارتباط بين عمليات تبييض الاموال والمصارف يكون لعاملين أساسيين :
1- الكتمان والسرية : اللذان تضمانهما المؤسسات المصرفية، بفضل مبادئ سرية الحسابات المصرفية ،وعدم قابليتها للتجزئة .
2- حداثة قواعد وآليات الخدمات المصرفية : التي تقدمها المؤسسات المصرفية، فالتحويلات المصرفية الفورية الالكترونية والبطاقات الممغنطة، ودخول وسائل الاتصال بالغة الحداثة والانترنت وغيرها في دائرة التعامل بين المصارف وعملائها .
المطلب الثالث: عوامل نمو ظاهرة تبييض الأموال .
مما سبق تبين أن ظاهرة تبييض الأموال تعتبر من اخطر الظواهر، وتزداد خطورتها نظرا للتزايد الدائم والمستمر لعمليات تبييض وهذا التزايد المستمر في عمليات التبييض يعود لعدة أسباب ولعل من أهمها :
الفرع الاول :عوامل قانونية وتشريعية : وتتمثل فيما يلي :
1- البحث عن الأمان واكتساب الشرعية خشية المطاردة القانونية .
2- تردد بعض الدول النامية في وضع تشريعات وضوابط موجهة لظاهرة تبييض الأموال المتزايد خشية أن يكون ذلك متعارضا مع العولمة ، وخاصة العولمة المالية وتحريرحركة رأس المال، بل اكثر من ذلك فإن هذه الدول تتاسبق في منح حوافز الإستثمار والضمانات من أجل جذب المزيد من الأموال للإستثمار ظنا منها أن ذلك يعد كافيا لتحقيق المزيد من التنمية والتقدم الاقتصادي بغض النظر عن مصدر تلك التدفقات أكان مشروعا أو غير مشروع .
الفرع الثاني :العامل الاقتصادي :
ويتمثل في تزايد الإتجاه نحو التحرر الاقتصادي والمالي محليا في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي من خلال الإلتزامات الدولية ضمن منظومة تحرير التجارة العالمية وتحرير تجارة الخدمات المصرفية والمالية على وجه الخصوص في منظمة التجارة العالمية . [6]
حيث تسعى معظم الدول إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتحرير الأسواق المالية للإحداث المزيد من الانعاش الإقتصادي، بغض النظر عن مخاطر تزايد عمليات تبييض الاموال .
الفرع الثالث :تنافس البنوك وانتشار الفساد : ويتمثل في :
1- احترام المنافسة بين البنوك يفسر تزايد ظاهرة أو عمليات تبييض الاموال جزئيا حيث يوجد تسابق محتوم بين البنوك لجذب المزيد من العملاء وزيادة معدلات الأرباح من خلال فوارق أسعار الفائدة وكذلك العمالات المختلفة ناهيك عن سقوط بعض موضفي البنوك من ضعفاء النفوس في مرتكبي عمليات تبييض الاموال
2- انتشار الفساد في مختلف الدول المتقدمة والدول النامية وخاصة الفساد السياسي والأداري، وكذا انتشار التهرب الضريبي وانتشار القروض سيئة السمعة التي تخفي وراءها الفساد والرشوة وسرقة اموال البنوك . [7]
المبحث الثاني: جوانب ظاهرة تبييض الأموال
إن لظاهرة تبييض الأموال جوانب عديدة ويمكن حصرها في مصادر أموال التي ستبيض ومخاطر هذه الظاهرة والآليات التي يتبعها ويستخدمها من يقوم بتبييض الأموال وهذا ما سنتطرق إليه في هذا المبحث .
المطلب الأول: مصادر الأموال القذرة .
هي تلك الأنشطة التي تعمل على تدفق الأموال القذرة لتصب في أيدي القائمين على إدارة الاقتصاد الخفي، وخاصة الجزء الخاص منه والمتعلق بالأنشطة الخفية غير المشروعة، والتي من الواجب تصفيتها لأغراض التتبع والرقابة . [8]
ويمكن تقسيم ظاهرة تبييض الأموال إلى حالتين أساسيتين: مرحلة الحصول على أموال غير مشروعة، ومرحلة استعمال هذه الأموال والعمل على إخفاء مصادرها، والمرحلة الأخيرة هي المهمة . ولكن للإحاطة بجوانب الموضوع يستوجب معرفة مصادر الأموال المبيضة ويصعب حصر مصادر أموال المراد تبيضها ( القذرة) ولكننا اخترنا أن نقسمها إلى قسمين رئيسيين هما كالآتي :
الفرع الأول :أنشطة التهريب وتجارة المخدرات :
· أنشطة التهريب : وهي تلك الأنشطة التي تتضمن سلعا يحارب النظام الاقتصادي او السياسي تداولها اجتماعيا مثل الكحوليات والمخدرات والأسلحة والأغذية الفاسدة والأدوية وتؤدي تلك الأنشطة إلى خلق مسارات ملتوية في الاقتصاد الوطني .
· أنشطة إنتاج وتداول واستهلاك المخدرات : وهي أهم مصدر من مصادر الأموال القذرة، نظرا للمردود الضخم من الأموال التي تدرها هذه التجارة فمثلا كولومبيا أشارت التحقيقات فيها سنة 1995 إلى فضيحة تورط فيها الرئيس سامبر حين تلقى 61 مليون دولار مساعدة من تجار المخدرات خلال حملته الانتخابية سنة 1994 للوصول إلى الرئاسة، بالإضافة إلى بنما التي قام رئيسها بأشهر عمليات تبييض الأموال حيث جعل من بلاده محطة ترانزيت (transit) لتجارة المخدرات القادمة من كولومبيا والمتوجهة إلى الو.م.أ أو أوربا. وقد أشار الخبير العالمي (ROFFDAIDER) في مكافحة الممارسات المصرفية غير المشروعة، أن تهريب المخدرات ساهم في حدوث عمليات تبييض أموال قيمتها 125 مليون دولار على مستوى العالم ، وهي تمثل ما قيمته 25% من إجمالي عمليات تبييض الأموال المرتبطة بالمخدرات فقط، و البالغة 500 مليار دولار سنويا . [9]
[i] الفرع الثاني : أنشطة الاقتصاد الخفي : ويمكن إيجاز أهمها فيما يلي :
· الرشوة : وهي منح ذوي السلطات العليا وأصحاب النفوذ مبالغ مالية قصد الحصول على مشاريع استثمارية، وقد تنزل إلى طلب لإيجاد منصب عمل .
· تجارة الرقيق الأبيض واستغلال الأطفال : تشيع هذه الظاهرة بكثرة في الدول النامية لضعف المداخيل بها وكثرة البطالة ونقص الوعي الاجتماعي .
وتقدر بعض الجهات حجم التجارة بالنساء بنحو 3.5 مليار $ سنويا على المستوى الدولي في سنة 1994 [10] .
· التهرب الضريبي والغش الضريبي : يقصد به تمكن المكلف من التخلص كليا أو جزئيا ومخالفة القوانين والأنظمة الضريبية المعتمدة .
· تزييف العملة : تزييف أو تزوير العملة هو اختلاق عملة مشابهة لعملة أخرى من غير جهة مختصة في ذلك، تحمل نفس القيمة والشكل [11] .
وانتشرت هذه الظاهرة في التسعينات حين بلغت قيمة الدولار المزيفة 11.2 مليون $
· الأعمال غير المشروعة لأصحاب الياقات البيضاء : ويقصد بها الأعمال المرتكبة من قبل أشخاص لهم مكانتهم العالمية اقتصاديا واجتماعيا، في معرض قيامهم بأعمال مهنية، حيث أن هذه الطبقة ( أصحاب الياقات البيضاء) تستعمل وضعيتها الطبقي للحصول على نسخة شخصية بوسائل قانونية، ليس من السهل اكتشافها و هم يمتلكون قوة سياسية ومالية يستطيعون بها تجنب توقيفهم .
· مصادر أخرى : بالإضافة إلى المصادر المذكورة هناك عدة مصادر أخرى مثل :
- الاتجار في السلع المحظورة .
- الاتجار في السوق السوداء بالعملة الأجنبية .
- الدخول الناتجة عن الجاسوسية .
- الدخول الناتجة عن المضاربة غير المشروعة في الأوراق المالية .
- الحصول على العروض من البنوك المحلية ثم تهريبها إلى الخارج .
- الأموال الناتجة عن الفساد الإداري والسياسي والاختلاس .
المطلب الثاني: آليات تبيض الأموال .
تم عمليات تبييض الأموال بواسطة تقنيـــات متعددة وتمر بمراحل أســــاسية :
الفرع الأول :تقنيات تبييض الأموال :
هناك العديد من التقنيات ويمكن عرض أبرزها :
1- عن طريق الجهاز المصرفي : [12] ويشتمل هذا النوع كل التقنيات المتعلقة بالبنوك ومن أهمها :
1-1- الشيكات القابلة للتظهير وبطاقات الائتمان .
1-2- التبييض عبر المصارف والتواطئ المصرفي .
1-3- المضاربة البورصية وللجوء إلى مكاتب السمسرة والوساطة .
1-4- إنشاء المؤسسات المالية .
1-5- تقنيات الاعتماد المستندي .
1-6- الحوالات البريدية والتحويل التلغرافي للأموال .
2- خارج الجهاز المصرفي : وينقسم بدوره إلى قسمين وهما كما يلي :
2-1- إقامة المؤسسات: حيث يلجأ المبيضون إلى انشاء أو إدارة مؤسسات أو إقامة استثمارات كي يضمنوا طابع الشرعية على أموالهم القذرة عن طريق :
أ- إنشاء الشركات .
ب - الاستثمار في القطاع السياحي .
ج- إنشاء المؤسسات الإصلاحية والتعليمية والخدمات الاجتماعية .
2-2- الصفقات: وتتمثل في عمليات الشراء وقسائم اللعب من ألعاب الميسر والقمار وغيرهما من العلميات ومن أهمها :
*أ . استخدام وكالات السفر .
*ب . تحويلات المغتربين .
*ج . الفوترة المزدوجة .
*د . أندية القمار .
*ه . التجارة البحرية .
الفرع الثاني :مراحل تبييض الأموال :
يعتبر ( Marchieth ) أحد خبراء الموضوع بأن عملية تبييض الأموال تمر بثلاث مراحل كبرى من التوظيف إلى التمويه أو التجميع وصولا إلى الدمج وهي كما يلي :
المرحلة الأولى : التوظيف والإيداع : (Placement) أي مرحلة إدخال الأموال القذرة في النظام المالي بتحولها إلى ودائع مصرفية وإلى إيرادات وأرباح وهمية ثم توظيفها في عدة حسابات في مصرف واحد او أكثر أو بشراء العقارات أو الذهب أو التحف النادرة أو حتى في شراء الأسهم والسندات والشيكات السياحية، وتستخدم في هذه المرحلة شبكة من العديد من عناصر التبييض التي قد تكون مؤسسات مالية أو غيرها من القطاعات الاقتصادية التي تتعامل بكثير من السيولة كالكزينوهات ومكاتب الصرف أو المطاعم أو غيرها. وهكذا تعتبر مرحلة التوظيف أضعف وأصعب حلقات سلسلة التبييض بالنظر إلى تعقد مسارها عموما وكون المصارف والمؤسسات المالية الطرف الأساس فيها، كما إن الأصول القذرة المراد تبيضها تتجه في السنوات الأخيرة إلى أماكن مجهولة أكثر، كالمدن الصغيرة أو الأحياء الهادئة التي هي بمنأى عن كل شبهة، من اجل القيام بعمليات التوظيف تفاديا للمراكز المالية الكبرى و الرقابات التي تحتويها .
المرحلة الثانية: التجميع أو التمويه او التعتيم ( Layering)
اثر تبييض الأموال على الاقتصاد
مقدمة:
تشير العديد من المؤشرات إلى تزايد ظاهرة تبييض الأموال كأحد المخاطر الكبيرة للعولمة وبخاصة العولمة المالية .
إذ تعتبر ظاهرة تبييض الأموال من بين المشاكل التي تصيب اقتصاديات الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، حيث تعد صورة من صور الجرائم الاقتصادية التي تفشت بصورة كبيرة في الوقت الراهن، كما أنها ظاهرة تتصل بالمؤسسات المالية لا سيما البنوك ، بما توفره بعملياتها من قنوات كوسيلة يقوم عن طريقها متورطون في العمليات مشبوهة لتنظيف الأموال. وسنقوم فيما يلي بتقريب المفهوم عن ظاهرة تبييض الأموال كآفة اقتصادية حيث يخطأ البعض فهمه لهذه الظاهرة، فمنهم من يراها أنها نافعة للإقتصاد من حيث التردد ولكن الواضح والجلي أن هذه الظاهرة من أخطر المشاكل الاقتصادية التي تعصف بإقتصاديات الدول .
وفي محاولتنا للوقوف على واقع تبييض الأموال بالإضافة إلى إجراءات المكافحة والآثار المترتبة على الظاهرة ارتأينا طرح الإشكالية التالية :
ما هي آثار ظاهرة تبييض الأموال على الاقتصاد ؟
ويتفرع من هذه الإشكالية الأسئلة الفرعية التالية :
- ما هو مفهوم هذه الظاهرة، خصائصها، مختلف جوانبها، وآثارها الاقتصادية؟
- كيف تم مكافحتها ؟ و ما هو دور البنوك (الجهاز المصرفي) و مسؤوليتها في ذلك؟
- و ما هو واقع هذه الظاهرة في الجزائر؟و للإجابة على الإشكالية أعلاه و كذا الأسئلة المتفرعة عنها قمنا بتقسيم البحث إلى ثلاثة فصول كالتالي :
الفصل الأول : و تطرقنا فيه إلى مفهوم هذه الظاهرة و خصائصها و عوامل نموها، و كذا مختلف جوانبها من مصادر الأموال المبيضة فأساليب تبييضها، وخاصة آثارها الاقتصادية من الناحية النظرية على الأقل .
الفصل الثاني : و سردنا فيه أساليب مكافحة هذه الظاهرة على المستوى الدولي من اتفاقيات و معاهدات دولية، ثم على المستوى المحلي بحيث أوردنا بعض الأمثلة المتمثلة في تشريعات عينة من الدول، و في نهاية الفصل تطرقنا إلى مسؤولية و دور البنوك في مواجهة و مكافحة هذه الظاهرة .
الفصل الثالث : و تناولنا فيه واقع تبييض الأموال في الجزائر، حيث حاولنا إسقاط الجانب النظري على حالة الجزائر. لكن تجدر الإشارة إلى أننا لم نتعمق في التحليل و الدراسة بالنسبة للجزائر، حيث اعتمدنا على مراجع قليلة متمثلة في مذكرات نهاية الدراسة و بعض التشريعات، و ذلك نظرا لعمق الموضوع و شساعته مع ضيق الوقت .
الفصل الأول : مفهوم ظاهرة تبييض الأموال .
تعتبر ظاهرة تبييض الأموال من المشاكل التي تصيب اقتصاديات الدول و خاصة الدول النامية، حيث تعد صورة من صور الجرائم الاقتصادية التي تفشت بشكل كبير في الوقت الراهن، و سنحاول في هذا الفصل الالمام بواقع هذه الظاهرة من حيث مفهومها و خصائصها و كذا مختلف جوانب هذه الظاهرة و خاصة آثارها الاقتصادية .
المبحث الأول : ظاهرة تبييض الأموال وخصائصها .
لابد من تحليل ظاهرة تبييض الاموال حتى نتمكن من معرفة مفهومها ومن ثم يتجلى لنا خصائصها وعوامل نموها .
المطلب الأول : تعريف تبييض الأموال لا يوجد تعريف متفق عليه دوليا لظاهرة تبييض الأموال إلا أن هناك العديد من التعاريف الإجرائية أو الوظيفية والتي سنعرضها كالتالي :
1- " عمليات تبييض الأموال هي تلك العمليات التي يتم بمقتضاها إتخاذ أي سبيل لإخفاء المصدر غير المشروع للأموال وإظهارها في صورة أموال متحصلة من مصدر مشروع ، أو إخفاء الطبيعة الحقيقية للأموال المكتسبة من الانشطة المحظورة أو مصدرها أو ملكياتها في محاولة لتغيير هوية الأموال غير المشروعة لتكون الأموال تبدو في الصورة المشروعة ."
2- " عمليات تبييض الأموال هي عمليات يقوم بها ناشطين في محاولة منهم لإخفاء أعمالهم غير المشروعة لتمكنهم فيما بعد بالتمتع بالأموال التي جنيت من غير أن تتعرض مصادر أموالهم لأي خطر ."
3- " عمليات تبييض الأموال هي عمليات متتابعة ومستمرة في محاولة معتمدة لإدخال أموالهم القذرة الناتجة عن الأنشطة الخفية غير المشروعة التي تمارس من خلال ما يسمى بالإقتصاد الخفي في دور النشاط الإقتصادي للإقتصاد الرسمي او الظاهر، لإكسابها صفة شرعية عبر الجهاز المصرفي أو أجهزة الوساطة المالية الاخرى ." [1]
4- " يعني مصطلح تبييض الأموال أن هذه الأموال القذرة إذا بقيت في أيدي حائزها فإن ذلك يؤدي إلى اكتشافهم، وبالتالي فإن عمليات التبييض هي محاولة منهم بكافة الطرق إلى إلغاء الأصل غير الشرعي لهذه الأموال، وذلك كي يعاد استثمارها في أعمال اقتصادية بعيدة كل البعد عن الأعمال غير المشروعة التي حصلت منها هذه الأموال ."
وتجدر الإشارة أنه يجب التفريق بين مصطلح الأموال القذرة والأموال السوداء، فالأموال القذرة هي التي يتم الحصول عليها بوسائل غير شرعية مثل الإتجار في المخدرات، الدعارة....إلخ، بينما الأموال السوداء هي التي يتم الاحتفاظ بها سرا للتهرب من الضرائب . [2]
وتعود تسمية عمليات غسيل الاموال إلى قيام أحد أعضاء المافيا الامريكية بشراء مغسلة عامة لغسيل الملابس في مدينة شيكاغو، وكان يشترط على عملائه أن يحصل منهم على الثمن نقدا ، وكان يقوم بالإضافة جانب من أرباح تجارة المخدرات إلى عائد غسيل الملابس يوميا، ويقوم بإيداعه في فرع أحد البنوك القريبة ، ودون أن يرتاب أحد في أمر المبالغ الكبيرة التي كان يودعها وبفئاتها الصغيرة . [3]
وتشكل ظاهرة غسيل الأموال مشكلة عالمية إذ يقدر حجم الأموال غير النظيفة التي يتم غسلها أكثر من 800 مليار دولار سنويا . [4]
من خلال التعاريف السابقة نلاحظ بوضوح أن تلك الاموال الناتجة عن الأنشطة غير المشروعة من خلال الاقتصاد الخفي ، هي أموال قذرة يسعى من حصلوا عليها لتبييضها أي اكسابها المشروعية، وهم يجدون في معظم الأحيان أن استخدام القنوات المصرفية والمؤسسات المالية هي أفضل الوسائل لتنفيذ عمليات التبييض من خلال العمليات المصرفية والمالية .
المطلب الثاني : خصائص ظاهرة تبييض الأموال .
يمكن أن نميز بين ثلاث خصائص لهذه الظاهرة والتي تميزها عن الأنشطةالأخرى المالية، الخصائص الاقتصادية والإجتماعية والخصائص المصرفية .
الفرع الاول :الخصائص الاقتصادية :
من أهم هذه الخصائص مايلي :
1- عمليات تبييض الأموال هي انشطة مكملة لأنشطة سابقة أسفرت عن تحصيل كمية من الاموال غير المشروعة (القذرة ) الناتجة عن الإقتصاد الخفي .
2- تتسم عمليات تبييض الاموال بسرعة الانتشارالجغرافي في ظل العولمة، إذ لم تعد مرتكزة في عدد محدود من الدول ، بل اصبحت في ظل العولمة لا تقف عند الحدود .
3- تتواكب عمليات تبييض الاموال مع الثورة التكنزلجية والمعلوماتية ، خاصة في الوسائل التكنولجية التي تستخدم في نقل الاموال وتحويلها عبر الحدود .
4- ترتبط عمليات غسييل الاموال ارتباطا وثيقا بعمليات التحرير الاقتصادي والمالي ،في مايسمى بالعولمة المالية ، حيث ازيلت القيود على حركة رؤوس الاموال .
5- يزداد نمو هذه الظاهرة مع ازدياد الاتجاه نحو تحرير التجارة العالمية ،حيث لوحظ ذلك مع قيام الاتحاد الاوروبي واقامة النافتا وتحرير الخدمات خاصة المصرفية والمالية منها . [5]
الفرع الثاني :الخصائص الاجتماعية :
تكتسي ظاهرة تبييض الاموال الطابع الاجتماعي كونها تساهم في اضفاء الشرعية الاجتماعية على هذه الاموال والانشطة والاعمال غير الشرعية، ويتم ذلك عن طريق القيام بتبييض الاموال في كافة المشروعات والاعمال الخيرية التي تكون في المدن والاحياء الفقيرة مثل انشاء مؤسسات التكفل بالايتام والمعوقين او مؤسسات العلاج المجانية .
وتكمن الخطورة الاجتماعية لعمليات تبييض الاموال في ظاهرها الخيري كما في مرامها البعيد غير المشروع ،فمن حيث ظاهرها لاشك ان مثل هذه المشروعات ستلقى اهتماما جماهريا وشعبيا قد ترقى الى التأييد السياسي، أما من حيث مرامها البعيد فإن هذه النشاطات الخيرية في ظاهرها تبقى أصولا اقتصادية لا يمكن التقليل من أهميتها سواء على المدى البعيد أو القصير .
الفرع الثالث :الخصائص المصرفية :
ترتبط عمليات تبييض الاموال بالعمليات المصرفية وما تقدمه المؤسسات المالية خاصة البنوك من عمليات وتقنيات حديثة ،كالتحويلات المصرفية الفورية الالكترونية وبطاقات الائتمان ودخول وسائل الاتصال الحديثة كالانترنيت وغيرها، وأصبح التعامل بها مابين المؤسسات المصرفية وعملائهم جعلت هذه المؤسسات الوسيلة المثلى من اجل تبييض الاموال القذرة .
ولا يكاد يقتصر القناع المصرفي على المؤسسات المصرفية المعروفة التي قد تتحول الى ادوات تبييض الأموال لحسن نية أو عن طريق التواطؤ أو الإهمال، والأكثر من ذلك هناك مصاريف تنشأ من أجل القيام بعملية تبييض الأموال، وفي الحقيقة نجدها تفتقد فعلا للمقومات الأساسية للمؤسسات المصرفية .
والارتباط بين عمليات تبييض الاموال والمصارف يكون لعاملين أساسيين :
1- الكتمان والسرية : اللذان تضمانهما المؤسسات المصرفية، بفضل مبادئ سرية الحسابات المصرفية ،وعدم قابليتها للتجزئة .
2- حداثة قواعد وآليات الخدمات المصرفية : التي تقدمها المؤسسات المصرفية، فالتحويلات المصرفية الفورية الالكترونية والبطاقات الممغنطة، ودخول وسائل الاتصال بالغة الحداثة والانترنت وغيرها في دائرة التعامل بين المصارف وعملائها .
المطلب الثالث: عوامل نمو ظاهرة تبييض الأموال .
مما سبق تبين أن ظاهرة تبييض الأموال تعتبر من اخطر الظواهر، وتزداد خطورتها نظرا للتزايد الدائم والمستمر لعمليات تبييض وهذا التزايد المستمر في عمليات التبييض يعود لعدة أسباب ولعل من أهمها :
الفرع الاول :عوامل قانونية وتشريعية : وتتمثل فيما يلي :
1- البحث عن الأمان واكتساب الشرعية خشية المطاردة القانونية .
2- تردد بعض الدول النامية في وضع تشريعات وضوابط موجهة لظاهرة تبييض الأموال المتزايد خشية أن يكون ذلك متعارضا مع العولمة ، وخاصة العولمة المالية وتحريرحركة رأس المال، بل اكثر من ذلك فإن هذه الدول تتاسبق في منح حوافز الإستثمار والضمانات من أجل جذب المزيد من الأموال للإستثمار ظنا منها أن ذلك يعد كافيا لتحقيق المزيد من التنمية والتقدم الاقتصادي بغض النظر عن مصدر تلك التدفقات أكان مشروعا أو غير مشروع .
الفرع الثاني :العامل الاقتصادي :
ويتمثل في تزايد الإتجاه نحو التحرر الاقتصادي والمالي محليا في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي من خلال الإلتزامات الدولية ضمن منظومة تحرير التجارة العالمية وتحرير تجارة الخدمات المصرفية والمالية على وجه الخصوص في منظمة التجارة العالمية . [6]
حيث تسعى معظم الدول إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتحرير الأسواق المالية للإحداث المزيد من الانعاش الإقتصادي، بغض النظر عن مخاطر تزايد عمليات تبييض الاموال .
الفرع الثالث :تنافس البنوك وانتشار الفساد : ويتمثل في :
1- احترام المنافسة بين البنوك يفسر تزايد ظاهرة أو عمليات تبييض الاموال جزئيا حيث يوجد تسابق محتوم بين البنوك لجذب المزيد من العملاء وزيادة معدلات الأرباح من خلال فوارق أسعار الفائدة وكذلك العمالات المختلفة ناهيك عن سقوط بعض موضفي البنوك من ضعفاء النفوس في مرتكبي عمليات تبييض الاموال
2- انتشار الفساد في مختلف الدول المتقدمة والدول النامية وخاصة الفساد السياسي والأداري، وكذا انتشار التهرب الضريبي وانتشار القروض سيئة السمعة التي تخفي وراءها الفساد والرشوة وسرقة اموال البنوك . [7]
المبحث الثاني: جوانب ظاهرة تبييض الأموال
إن لظاهرة تبييض الأموال جوانب عديدة ويمكن حصرها في مصادر أموال التي ستبيض ومخاطر هذه الظاهرة والآليات التي يتبعها ويستخدمها من يقوم بتبييض الأموال وهذا ما سنتطرق إليه في هذا المبحث .
المطلب الأول: مصادر الأموال القذرة .
هي تلك الأنشطة التي تعمل على تدفق الأموال القذرة لتصب في أيدي القائمين على إدارة الاقتصاد الخفي، وخاصة الجزء الخاص منه والمتعلق بالأنشطة الخفية غير المشروعة، والتي من الواجب تصفيتها لأغراض التتبع والرقابة . [8]
ويمكن تقسيم ظاهرة تبييض الأموال إلى حالتين أساسيتين: مرحلة الحصول على أموال غير مشروعة، ومرحلة استعمال هذه الأموال والعمل على إخفاء مصادرها، والمرحلة الأخيرة هي المهمة . ولكن للإحاطة بجوانب الموضوع يستوجب معرفة مصادر الأموال المبيضة ويصعب حصر مصادر أموال المراد تبيضها ( القذرة) ولكننا اخترنا أن نقسمها إلى قسمين رئيسيين هما كالآتي :
الفرع الأول :أنشطة التهريب وتجارة المخدرات :
· أنشطة التهريب : وهي تلك الأنشطة التي تتضمن سلعا يحارب النظام الاقتصادي او السياسي تداولها اجتماعيا مثل الكحوليات والمخدرات والأسلحة والأغذية الفاسدة والأدوية وتؤدي تلك الأنشطة إلى خلق مسارات ملتوية في الاقتصاد الوطني .
· أنشطة إنتاج وتداول واستهلاك المخدرات : وهي أهم مصدر من مصادر الأموال القذرة، نظرا للمردود الضخم من الأموال التي تدرها هذه التجارة فمثلا كولومبيا أشارت التحقيقات فيها سنة 1995 إلى فضيحة تورط فيها الرئيس سامبر حين تلقى 61 مليون دولار مساعدة من تجار المخدرات خلال حملته الانتخابية سنة 1994 للوصول إلى الرئاسة، بالإضافة إلى بنما التي قام رئيسها بأشهر عمليات تبييض الأموال حيث جعل من بلاده محطة ترانزيت (transit) لتجارة المخدرات القادمة من كولومبيا والمتوجهة إلى الو.م.أ أو أوربا. وقد أشار الخبير العالمي (ROFFDAIDER) في مكافحة الممارسات المصرفية غير المشروعة، أن تهريب المخدرات ساهم في حدوث عمليات تبييض أموال قيمتها 125 مليون دولار على مستوى العالم ، وهي تمثل ما قيمته 25% من إجمالي عمليات تبييض الأموال المرتبطة بالمخدرات فقط، و البالغة 500 مليار دولار سنويا . [9]
[i] الفرع الثاني : أنشطة الاقتصاد الخفي : ويمكن إيجاز أهمها فيما يلي :
· الرشوة : وهي منح ذوي السلطات العليا وأصحاب النفوذ مبالغ مالية قصد الحصول على مشاريع استثمارية، وقد تنزل إلى طلب لإيجاد منصب عمل .
· تجارة الرقيق الأبيض واستغلال الأطفال : تشيع هذه الظاهرة بكثرة في الدول النامية لضعف المداخيل بها وكثرة البطالة ونقص الوعي الاجتماعي .
وتقدر بعض الجهات حجم التجارة بالنساء بنحو 3.5 مليار $ سنويا على المستوى الدولي في سنة 1994 [10] .
· التهرب الضريبي والغش الضريبي : يقصد به تمكن المكلف من التخلص كليا أو جزئيا ومخالفة القوانين والأنظمة الضريبية المعتمدة .
· تزييف العملة : تزييف أو تزوير العملة هو اختلاق عملة مشابهة لعملة أخرى من غير جهة مختصة في ذلك، تحمل نفس القيمة والشكل [11] .
وانتشرت هذه الظاهرة في التسعينات حين بلغت قيمة الدولار المزيفة 11.2 مليون $
· الأعمال غير المشروعة لأصحاب الياقات البيضاء : ويقصد بها الأعمال المرتكبة من قبل أشخاص لهم مكانتهم العالمية اقتصاديا واجتماعيا، في معرض قيامهم بأعمال مهنية، حيث أن هذه الطبقة ( أصحاب الياقات البيضاء) تستعمل وضعيتها الطبقي للحصول على نسخة شخصية بوسائل قانونية، ليس من السهل اكتشافها و هم يمتلكون قوة سياسية ومالية يستطيعون بها تجنب توقيفهم .
· مصادر أخرى : بالإضافة إلى المصادر المذكورة هناك عدة مصادر أخرى مثل :
- الاتجار في السلع المحظورة .
- الاتجار في السوق السوداء بالعملة الأجنبية .
- الدخول الناتجة عن الجاسوسية .
- الدخول الناتجة عن المضاربة غير المشروعة في الأوراق المالية .
- الحصول على العروض من البنوك المحلية ثم تهريبها إلى الخارج .
- الأموال الناتجة عن الفساد الإداري والسياسي والاختلاس .
المطلب الثاني: آليات تبيض الأموال .
تم عمليات تبييض الأموال بواسطة تقنيـــات متعددة وتمر بمراحل أســــاسية :
الفرع الأول :تقنيات تبييض الأموال :
هناك العديد من التقنيات ويمكن عرض أبرزها :
1- عن طريق الجهاز المصرفي : [12] ويشتمل هذا النوع كل التقنيات المتعلقة بالبنوك ومن أهمها :
1-1- الشيكات القابلة للتظهير وبطاقات الائتمان .
1-2- التبييض عبر المصارف والتواطئ المصرفي .
1-3- المضاربة البورصية وللجوء إلى مكاتب السمسرة والوساطة .
1-4- إنشاء المؤسسات المالية .
1-5- تقنيات الاعتماد المستندي .
1-6- الحوالات البريدية والتحويل التلغرافي للأموال .
2- خارج الجهاز المصرفي : وينقسم بدوره إلى قسمين وهما كما يلي :
2-1- إقامة المؤسسات: حيث يلجأ المبيضون إلى انشاء أو إدارة مؤسسات أو إقامة استثمارات كي يضمنوا طابع الشرعية على أموالهم القذرة عن طريق :
أ- إنشاء الشركات .
ب - الاستثمار في القطاع السياحي .
ج- إنشاء المؤسسات الإصلاحية والتعليمية والخدمات الاجتماعية .
2-2- الصفقات: وتتمثل في عمليات الشراء وقسائم اللعب من ألعاب الميسر والقمار وغيرهما من العلميات ومن أهمها :
*أ . استخدام وكالات السفر .
*ب . تحويلات المغتربين .
*ج . الفوترة المزدوجة .
*د . أندية القمار .
*ه . التجارة البحرية .
الفرع الثاني :مراحل تبييض الأموال :
يعتبر ( Marchieth ) أحد خبراء الموضوع بأن عملية تبييض الأموال تمر بثلاث مراحل كبرى من التوظيف إلى التمويه أو التجميع وصولا إلى الدمج وهي كما يلي :
المرحلة الأولى : التوظيف والإيداع : (Placement) أي مرحلة إدخال الأموال القذرة في النظام المالي بتحولها إلى ودائع مصرفية وإلى إيرادات وأرباح وهمية ثم توظيفها في عدة حسابات في مصرف واحد او أكثر أو بشراء العقارات أو الذهب أو التحف النادرة أو حتى في شراء الأسهم والسندات والشيكات السياحية، وتستخدم في هذه المرحلة شبكة من العديد من عناصر التبييض التي قد تكون مؤسسات مالية أو غيرها من القطاعات الاقتصادية التي تتعامل بكثير من السيولة كالكزينوهات ومكاتب الصرف أو المطاعم أو غيرها. وهكذا تعتبر مرحلة التوظيف أضعف وأصعب حلقات سلسلة التبييض بالنظر إلى تعقد مسارها عموما وكون المصارف والمؤسسات المالية الطرف الأساس فيها، كما إن الأصول القذرة المراد تبيضها تتجه في السنوات الأخيرة إلى أماكن مجهولة أكثر، كالمدن الصغيرة أو الأحياء الهادئة التي هي بمنأى عن كل شبهة، من اجل القيام بعمليات التوظيف تفاديا للمراكز المالية الكبرى و الرقابات التي تحتويها .
المرحلة الثانية: التجميع أو التمويه او التعتيم ( Layering)