أحمد الدرينى يكتب | الصحفي الذي جلس على سرير الملا عمر!

أحمد الدرينى يكتب | الصحفي الذي جلس على سرير الملا عمر!

أحمد-الدريني

ربما لم تعد حياة الصحفي الدنماركي المخضرم كارنسن يانسن كما كانت عليه من قبل، بعدما جلس على سرير الملا عمر في أفغانستان، حين دخل غرفته الشخصية وتأملها ودوّن تفاصيلها بدقة.

دخل الرجل العاصمة الأفغانية كابول، في مخاطرة غير محسوبة بعد هروب الملا عمر على متن دراجة بخارية وسط الجبال، في مشهد عبثي، حير المخابرات الأمريكية التي ظلت تبحث عنه بلا جدوى.

ذهب يانسن إلى هذه البقعة من العالم، ليبحث عن شيء ما «إنساني» من تلك المعاني التي كرّس حياته لمطاردتها وتقصيها وسط ركام الحروب والنزاعات في أماكن الصراعات الملتهبة.

يقول: «كانت اللحظة الفاصلة حين أحاطت الجموع بالتاكسي الذي يقلني وسط العاصمة الأفغانية، وأنا شبه متخف في ملابس أفغانية محلية، وأحمل معي مبلغا ضخما من المال. لقد نظروا إليّ وميزوا بشرتي البيضاء وملامحي الغربية، وفي ذلك الوقت كان الأمر مخاطرة كبرى ربما تكبدني حياتي ذاتها، إلا أنني بادرت ومددت يدي من داخل التاكسي.. منتظرا رد الفعل».

يانسن من الكتاب الدنماركيين الذين يسيرون عكس الاتجاه، لديه موقف مناهض تماما لسياسات اليمين الدنماركي المتشدد، ويكره الحروب، ويؤمن بضرورة التواصل الإنساني والتحاب بين البشر عبر أصقاع الأرض.

الأمر الذي اضطره أن يعمل بصورة مستقلة ككاتب حر، مفضلا أن يتخفف من أعباء المؤسسات الصحفية وما تفرضه على محرريها من مواءمات مع الوقت.

«بعدما مددت يدي، مدوا أيديهم بدورهم وسلّموا عليّ، ثم ابتسموا وابتسمت وتبادلنا الضحكات ورحبوا بي جدا!».. لقد ذاب الجليد بين الطرفين، وربما انفضت الشكوك والهواجس.

حين حكى يانسن المشهد كانت صورة سينمائية كاملة الأركان ترتسم أمام أذهان مجالسيه من الصحفيين المصريين الشباب.

غير أنه بعد قليل من هذا المشهد الملحمي سيجيء رجل من حركة طالبان وسيقرع باب يانسن ليستجوبه:

– من أين إنت؟

– الدنمارك

– كوبنهاجن!

يضحك يانسن ويقول: كان الرجل مدرسا للجغرافيا لذلك عرف كوبنهاجن، وابتسمنا سويا وتحدثنا عن الدنمارك.

ظل يانسن يطارد هذا المعنى في أقصى الشرق الآسيوي متجولا بحثا عن قصصه الصحفية الساخنة، وربما ليستكمل جمع الشواهد التي سيقيم عليها نظريته: يمكننا أن نتواصل على الأرض وأن نعيش سويا!

(2)

في الصين سيقول يانسن إنه من الدنمارك، لكن أحدا لا يعرف أين هي بالضبط.

سيستخدم الكثير من الكلمات المفتاحية التي قد تربطهم بالدنمارك وتذكرهم بها، لكن أيا منها لا يجدي، إلى أن يجد الكلمة السحرية: هانز كريستيان آندرسن!

سيصيح الناس ويهللون، فلا أحد يجهل آندرسن، أهم وأشهر كاتب أطفال في العالم تقريبا.

ربما ليتعرف يانسن على محورية دور «الكاتب» في حياة الأمة.. وربما لتعيد طرح الكثير من الأسئلة على نفسك حول الكاتب والكتابة والبقاء.

مع الوقت تحول يانسن لأحد المؤلفين الذين تحتل كتبهم صدارة قائمة «الأكثر مبيعا».. في إثبات مدهش لإمكانية أن ينجح الصحفي رغم استقلاله عن المؤسسات، ورغم تصادمه مع النعرات السياسية المتطرفة التي تتصدر الخطاب العام في بلاده من حين لآخر.

(3)

لماذا اخترت أن أبدأ الحكي عن يانسن؟

لأن يانسن، وهو في أواخر العقد الخامس من العمر أو ربما بدايات العقد السادس، هو المعادلة التي يسعى إليها صحفيون شباب كثيرون في مصر ولا يتمكنون من تحقيقها.

فالرجل الذي استقل سياسيا ومهنيا عن المؤسسات الصحفية في البلاد، واختار أن يحط رحال عقله بعيدا عن أجندات الجرائد ووسائل الإعلام، تمكن من العيش ولم يفلس.

على العكس تماما، لقد جنى ثروة معقولة مكنته من تمويل رحلاته عبر العالم، ليبحث عن المعنى الذي ظل يطارده طويلا وأخذ يجمع الشواهد عليه سنة بعد سنة.. معنى «الإنسانية».

ربما لا يمكن للصحفي الشاب في مصر أن يعمل بسهولة، مستقلا عن مؤسسة صحفية قوية، ومنكفئا على قناعاته الشخصية بعيدا عن محبسي الترغيب والترهيب اللذين يحاصرانه طوال عمره المهني.

بل ربما لا يمكنه العيش عيشا كريما في ظل سياسات أجور، لا يمكنها إعالة «كاتب» ولا إعانته على صقل مهاراته واستكمال أدواته المهنية، بعيدا عن جنة «المؤسسة» وبعيدا عن ثمار الانتماء لأي من الأطراف المتصارعة.

(4)

ملامح يانسن مشحونة بكآبة لا تخفى، رغم النجاح الذي حققه، ورغم الاستحقاقات التي انتزعها من المنظومتين الصحفية والسياسية.

ينتحي بي جانبا ويقول لي: لقد ارتكب الروس فظائع في حروبهم مع الأفغان، وتبدو خلجات وجهه المتوترة، كما لو كانت تسترجع كل شيء رآه أثناء تغطيته هذه الحرب البشعة.

يانسن نموذج لعدد من الصحفيين الغربيين المهمومين بإنسانيتهم، والذين لا يرون أنفسهم مدعوين لدق طبول الحرب في مواجهة الشرق أو العرب أو الإسلام، بل على العكس تماما هو يبحث في كل محطة يحل فيها عن لحظة ذوبان الجليد، كما مد يده من التاكسي للأفغان.

(5)

قابلت عبر سنوات نموذج يانسن لمرات نادرة، في حين كان الأغلب الأعم هو الصحفي الغربي الذي يعمل وفقا لمفاهيم مسبقة، يسعى لاستنطاق الشواهد والأحداث عليها- ولو عسفا- لأجل أن يخلص إلى نفس النتيجة كل مرة.

الحوار مع يانسن جاء ضمن سلسلة لقاءات مع صحفيين دنماركيين من اليمين واليسار، بترتيب من النادي الإعلامي الدنماركي، هذه المؤسسة النشيطة البارعة في تدبير مثل هذه اللقاءات.

واخترت أن أبدأ به، قبل أن أحكي عن النقيض التام ليانسن، وهو صحفي يميني متطرف يصارحنا بأنه يكرهنا ولا يأبه لمشاعرنا كعرب وكمسلمين!

في المقال القادم، سأوثق- إن شاء الله- حوارنا معه، كتسجيل ضروري لسجال يختصر إلى مدى بعيد الكثير من الأشياء العالقة بيننا وبينهم، ويحكي على نحو أو آخر شكل المعركة القادمة التي تنتظرنا جميعا، نحن سكان هذا الكوكب.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.