أحمد الدرينى يكتب | جورج أورويل.. ده إخوان؟

أحمد الدرينى يكتب | جورج أورويل.. ده إخوان؟

أحمد-الدريني

المثير للأسى والسخرية معا في قضية طالب جامعة القاهرة الذي ألقي القبض عليه اليوم، لأسباب بدت من كثرة اللغط غير مفهومة، هو اعتبار أن رواية ما تعد حرزا من أحراز التحريات.

ثم الأكثر هزلا في الأمر، أن «البيه» الذي «فرّ» أوراق الرواية/ الحرز، خرج منها بانطباع خطير، مفاده أنها رواية تتحدث عن «الأنظمة العسكرية الفاسدة التى تحكم البلاد بديكتاتورية»، ثم اعتقد أن هذا التوصيف الخطير ينبغي أن يلحق بقائمة الأحراز من فلاشات وهارد ديسك وكشكول يضم ملاحظات عن «الخلافة الإسلامية».

ثار جدل عريض حول دور الرواية في القبض على الطالب، ومدى دقة التغطيات الصحفية التي تعرضت للقصة.. ودار السؤال الأساسي حول «الرواية».. هل كانت سببا في القبض على الطالب، أم أنها عرض جانبي شاءت الصدفة أن يكون على هذا القدر من العبثية.

(2)

الجهل- عموم الجهل- أخطر على النظام من خطر المتعلمين أنفسهم.. فهذه الدببة هي التي تورط النظام في كل هذه المعارك العبثية التي يود لو لم يخضها من الأساس.

ووفقا لما رواه زملاء صحفيون، فقيادات بالداخلية لا يعرفون من هو «أورويل» ولا وجه السؤال المحموم من الصحفيين على هذه الرواية المحرزة تحديدا بأكثر مما سواها.

وهو أمر شديد الشبه بما حدث في قضايا «صحفيي الجزيرة» و«متظاهري الاتحادية»..الذين كبدوا النظام خوض معركة خارجية بلا جدوى ولا ثمن، خرج منها خاسرا وقد تمنى لو لم يخضها أصلا.. على ما قال السيسي نفسه في نيويورك.

ثم جرى الحديث عن ميل السيسي لاستخدام حقه الدستوري في الإفراج عنهم كحل أخير.

(3)

تعاقدت الصدفة العثرة أن يتم صياغة تحريات الداخلية على هذا النحو الموغل في الجهل، بحيث يبدو الأمر في نهاية المطاف أن النظام يلاحق من يقرأون الروايات التي تنتقد أنظمة الحكم العسكرية!

بالأحرى، لقد تم اختراع «الهاجس» وتوفرت له قصة غاية في الرمزية.. (القبض على طالب مصري يقرأ جورج أورويل!).

فهل يتخوف النظام من أن يقرأ طالب (1984) أو حتى ميكي جيب؟

النظام لا يتخوف لأنه ربما بلا بوصلة عقائدية مستقرة.. فلا هو على خلاف حاد مع هذا التيار ولا هو على اتفاق جازم مع هذه الفكرة.. نحن في مرحلة إبحار تبدو أقرب ما تكون للعشوائية المفرطة.

أي نعم، بمراكمات الأفعال والسياسات ستتضح الملامح وتتحدد المشاريع، غير أنه حتى الآن لا يوجد شيء بائن وجلي يمكن الاستدلال عليه. والعدو الظاهر الصريح للنظام إلى الآن هو الإخوان وملحقاتهم وتوابعهم والمتشكل على ضفافهم من تنظيمات وجماعات إرهابية.

وجورج أورويل ليس إخوانا كما نعرف، وكما (نظن) أن الداخلية تعرف.

(4)

ما الكارثي في الأمر أيضا؟

أن الذي كتب محضر التحريات اختار أن «يفر» ورق الرواية ليصل منها لاستنتاج حصيف جدا مفاده أن هذه الرواية تنتقد أنظمة الحكم العسكرية!

وعلى هذه الشاكلة الانطباعية المتسرعة والجهولة، يمكن استنتاج ما جرى في قضايا مثيلة، وكيف تؤدي الداخلية عملها، وكيف تلعب الظنون دورا محوريا في «تكوين» قضايا ذات طابع سياسي.

(5)

الأنظمة المتطرفة فحسب هي التي تعادي القراءة وتعادي الكتب والروايات.. أو تستخدمها لصالحها.

ففي رحلته إلى كوريا الشمالية قبل قرابة ثلاثة أعوام، وثق أحد مراسلي وكالة أنباء أسوشيتد برس اندهاشه من الانتشار المريب لرواية (ذهب مع الريح).. ولم يفهم لماذا بدت متوفرة في معظم المكتبات والمتاجر تقريبا.

لكنه في النهاية المطاف عرف أنها الرواية المفضلة لبيونج يانج، لأنها تؤصل لمشاكل الناس وأزماتهم في ظل أنظمة الحكم الرأسمالية البغيضة!

ومن ثم جرى استخدامها عقائديا لخدمة «أفكار» النظام الكوري الشمالي.

وبالمثل، لم تجد أعمال هارولد بنتر ولا آرثر ميللر احتفاء من الأنظمة الرأسمالية، التي تتمحور فلسفتها حول انتقاد هذه الأنظمة.

غير أن أحدا لم يمنع كتبهما من الطباعة والانتشار، لأن اختزال نظام في رعبه من رواية أو في اعتباره أن قراءة كتاب جريمة أكيدة.. هو الذي يجعل من هذا النظام كيانا تافها وهشا.

(6)

ما الحل؟

حلنا أن نقاتل لأجل مزيد من الحرية، وأن نطالب بتحسين ظروف التعليم.. تعليمنا وتعليم ضباط الشرطة.

وحل النظام أن يتخلص من دببته، وأن يسوي مثل هذه القضايا الهزلية مبكرا قبل أن تتصدر عناوين الصحف الغربية قصة عن نظام بائس يطارد الروايات!

لو جمح خيال أكثر المتربصين بهذا النظام ليختلق قصة تنال منه تماما، لما تمكن من ابتكار مثل هذه القصة المذهلة.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.