أحمد الدرينى يكتب | «شيزلونج» السيسي!

أحمد الدرينى يكتب | «شيزلونج» السيسي!

23452_414693636067_5561843_n

لا يبدو لي السيسي حالة نفسية وشعورية متجانسة.. فهو ليس الدموي الخائن السفاح كما يزعم المخابيل والكذابون والمختلون من الإخوان، ولا هو الرجل الفرصة في تاريخ مصر الذي جاء ليملأ الدنيا عدلا كما ملئت ظلما وجورا كما يزعم مهاويسه من أحلاف 30 يونيو وحزب الكنبة وفلول الفلول، ولا هو مبعوث المؤسسة العسكرية للحفاظ على الحكم العسكري وحفظ مكاسب الجيش وإعادة إنتاج دولة مبارك، كما يذهب حقوقيون ومثقفون ونشطاء.

السيسي، شخصيا، فوجئ مثلنا بما جرى، وربما لا يدري ما الخطوة القادمة!

أميل شخصيًّا لقراءة وزير الدفاع والمرشح المحتمل، وفقا لما أتخيله عما اعتمل في نفسه على مدار السنوات الثلاث الماضية..

الأمر أشبه بإبحار تخيلي في نفس اللواء والفريق أول والمشير، لا أجزم بصحته تماما بمقدار ما أعزز شواهدي في كل مرحلة من مراحل «تايم لاين» نفسية السيد عبدالفتاح السيسي، وفقا لما أتيح لنا معرفته أو التقاطه.

اللواء!

في نهايات 2010 رفع اللواء عبدالفتاح السيسي تقريره للقيادات العليا حول توقع جهاز المخابرات الحربية لثورة/ اضطرابات في الشارع المصري في مايو 2011 بالتزامن مع عيد ميلاد الرئيس مبارك المتوقع أن يتخلى فيه عن الحكم فاتحا الباب أمام انتخابات رئاسية، ستنتهي بجمال مبارك في الرئاسة في فضيحة مدوية.

كان اللواء يمد بصره في مكتبه، بينما يحس بالحنق والغضب (هل مصر رخيصة لدرجة أن يتم توريثها لواد مايص مثل جمال مبارك؟).. بينما يحسب عدة احتمالات مستقبلية حول شكل الاقتصاد المصري ووضع المؤسسة العسكرية ونفسية الشعب المصري.

بينما يردد في نفسه جملة كلاسيكية من نوعية (مصر متستحقش كده)..

يصلي ركعتين، ويغادر مكتبه، ثم ينام نوما أرقا يجافي جنبه المضجع، خائفا على مصير البلاد.

تقوم الثورة، ويفرح بها اللواء عبدالفتاح سعيد سرا، ربما أكثر من بقية أعضاء المجلس العسكري الذين كان الحدث أكبر من قدراتهم مجتمعة، بينما يغزل طموحات وردية حول مستقبل أفضل لمصر (وربما له).

فجأة تتدهور سمعة المؤسسة العسكرية، وبغتة يصل مرشح الإخوان لكرسي الحكم، ودون الكثير من المقدمات المفهومة (لنا) يجد اللواء عبدالفتاح سعيد السيسي نفسه في رتبة فريق أول مؤديا قسم وزير الدفاع.

الفريق أول!

يصلي الفريق أول ركعتي شكر في مكتبه، ويقرأ سورة يس ويدعو الله بينه وبين نفسه بالتوفيق..

يفكر أول ما يفكر كرجل طموح في إعادة بناء القوات المسلحة، ورفع معنويات جنوده وضباطه، بينما يعاود من وقت لآخر قراءة مذكرات القادة العسكريين السابقين للجيش المصري، من مكتب الفريق عبدالمنعم رياض رحمه الله، الذي اختاره السيسي مكتبًا له.

وبينما في الخارج كان الإخوان يطحنون الشارع ويطحنهم الشارع، انكفأ السيسي على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وإعادة بناء صورتها الذهنية، مع إيلاء بعض الاهتمام لعدد من الملفات السرية داخل الجيش، التي ربما توافقت أجهزة الأمن القومي فيما بينها، دون حديث منطوق، على إخفائها عن مبعوث الإخوان في الاتحادية محمد مرسي.

السيسي بينه وبين نفسه كان يتمنى النجاح لمرسي، لكن في كل لقاء بين الاثنين كانت المقارنة تنعقد في نفس السيسي، ويرى «رئيس جمهورية مصر» مجرد بهلوان مضطرب وشخص متدني القدرات، خاصة إذا وضع صورته جوار صورة ناصر أو السادات أو حتى مبارك.

وذات مرة يضع السيسي صورة مرسي جوار صورته هو شخصيا! يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم من الخاطر..

لكن الشارع يغلي، ويبدو البلد على وشك الانهيار الفعلي..

تتعالى الأصوات داعية الفريق أول السيسي والمؤسسة العسكرية للتدخل.. وبعد قليل من التفكير، وبعد قرار كانت قيادات الجيش تتعجل الوصول إليه، حسموا جميعا الإطاحة بالإخوان وليكن ما يكون.

المشير!

قبل أن يصل السيسي لرتبة مشير، كانت شعبيته قد بلغت الآفاق.. يراقب مقالات الصحف حول شجاعته، ويتابع بإعجاب البرامج التليفزيونية وهي تتغزل فيه، ويستمع باندهاش للجماهير العاشقة التي تزحف ملبية نداء تفويضه.

في البداية ربما يفزع من هذه الشعبية، لكنه يستعيذ بالله من شرور نفسه، ويقوم كل مرة ليصلي ركعتين، بينما هدير الجماهير يشوش عليه أفكاره.. وربما صلاته.

تزداد الفكرة تبلورا في نفسه، بعدما صاغها الرأي العام، بمعطيات منطقية تارة، وبنفاق ورعونة خالصة تارة أخرى..«ولماذا لا أصبح رئيسا؟».

تزداد ثقة الرجل في نفسه، ويزداد يقينه في قدره وفي رؤاه وبشاراته التي طالما كانت مثار حديثه بينه وبين ذاته.

شخصيا أذهب لاعتباره رجلا متدينا كلاسيكيا من الذين يمتكلون حسا وطنيا هائلا، وتكوينا ذاتيا صاغته مفاهيم القوات المسلحة المصرية باعتزازها وكبريائها ونرجسيتها منذ أكتوبر 1973، واعتبارات الأمن القومي لديه مقدمة على سواها سواء كان تنظيما كاملا حاشدا كالإخوان، أو على الحرية بصياغتها الغربية المتطرفة التي (لا تناسب أخلاقنا وقيمنا).

الرئيس!

يقال إن عبدالملك بن مروان كان يجلس في المسجد النبوي بينما يرتل آيات القرآن، في خشوع بائن، وكان الناس يلقبونه بـ«يمامة المسجد» لكثرة جلوسه فيه..وأثناء ترتيله، جاءه النبأ بأنه أضحى «الخليفة» وأنه ورث الحكم. فطوى عبدالملك المصحف ونظر إليه وقال: «هذا آخر عهدنا بك!».

بعدها عرب الدواوين وصك أول دينار عربي وأجرى إصلاحات هيكلية في بنية الدولة ووحد الحجاز والعراق والشام ووضع لمسات محورية في سبيل صياغة دولة عربية موحدة.. ولكن على الهامش كانت جيوشه قد ضربت الكعبة بالمنجنيق واستباحت مكة وصلبت (أول مولود في الإسلام) عبدالله بن الزبير في قلب البيت الحرام، ثم مضى قدما في سحق معارضيه وقتلهم في الأرض تقتيلا.

وعلى هامش الدماء المسالة، أقام دولة عظيمة!

لا أريد القفز بالاستنتاج المتعسف الذي يراود ذهنك حول ربطي سيرة العابد عبدالملك بن مروان الذي تحول إلى الخليفة الدموي عبدالملك بن مروان، بسيرة المشير السيسي.

فربما إذ كنت أحمل شخصيا سلوك الرجل على أفضل أوجهه، وربما رغم قراءتي المتفائلة له ولمستقبله، إلا أن سيناريوهات الرعب الكامنة في مساراته القادمة هي ما يقلق حقا.

الرجل يحظى بتأييد تتري أهوج يريد تتويجه بلا شروط وبلا حساب ودون ضمانات. وفي رؤيته لذاته ولاستحقاقاته مذ كان لواء إلى أن أضحى مشيرا، وتيرة نفسية كفيلة بتحويله لديكتاتور فريد من طرازه.

وشخصيا لا أعول على تقواه الماضية، بمقدار ما أتخوف من تحولاته المرتقبة.. لا لشيء فيه إلا لأننا نتفنن في صناعة الفراعنة.. ولا لشيء في شخصه إلا لأنه كـ«إنسان» تعرض لتحولات نفسية جارفة في سنوات قلائل، كفيلة بإفقاد إنسان راشد مستقر توازنه.

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.