أيمن الجندى يكتب | أمنيات خطرة قابلة للتحقيق

أيمن الجندى يكتب | أمنيات خطرة قابلة للتحقيق

د.-أيمن-الجندى

الغرابة وحدها هي ما كانت تشعر به. أثناء سفرها مع زوجها كانت كل محطات الوقود مغلقة. ولم يعد أمامهما سوى أن يدخلا هذه المدينة الصغيرة القابعة في أحضان البحر، ولم يسبق لهما زيارتها من قبل. بمجرد أن دلفا إلى المدينة المنسية حتى أحست بشعور غريب.

 

لحسن الحظ استطاعا ملء السيارة بالوقود. وطلب منها زوجها أن يستريحا على مقهى يقع على أطراف المدينة قبل عودتهما. هي على سبيل القطع لم تذهب إلى هذا المكان. فلماذا تشعر بهذا الشعور الغريب؟

 

قال زوجها شيئا لم تسمعه فابتسمت في ارتباك. كانت تحبه وتود إرضاءه. كانا قد تزوجا من زهاء عشرة أعوام. وكلاهما في الخامسة والثلاثين. لم تنجب بعد وإن كانت تأمل. تعرف في قرارة نفسها أنها تحبه أكثر مما يحبها. وتخشى من يوم آت ينبذها أو يحب غيرها. هي لا تستطيع أن تزعم أنها حافظت على فتنتها أو اهتمت بقوامها. لقد زاد وزنها عشرين كيلو على الأقل، وأصبحت لا ترى في عينيه إلا الفتور. وقررت في داخلها أن تصنع كل ما في وسعها لإنقاص وزنها. جربت كل أنواع الحمية. آه لو هناك حل سحرى يجعل تستيقظ وقد فقدت عشرين كيلوجراما في ليلة واحدة.

 

لم تنتبه في خواطرها أن الليل قد سقط بالتدريج. وأن موج البحر المتدافع كان يردد رسالة لم تلتقطها. وعلى المقاعد المنثورة على طرف البحر اقتربت غجرية غريبة الأطوار. لو لم تستغرق في أفكارها الداخلية للاحظت أن القلة الجالسة من أهل البلدة قد غادروا مقاعدهم بسرعة وسحبوا أطفالهم كأنهم رأوا شيطانا. هي وحدها التي لم تلحظ. وكذلك زوجها الذي لم يكن مستعدا لأن يرى سوى الجمال الكونى. وقفت الغجرية أمامهما وأخرجت من سلتها تمثال صبى صغير. كانت ملامحه منمنمة وحقيقية وبها شىء مخيف! لكن أغرب ما في الوجه كانت أذنه اليسرى، الكبيرة بحجم غير مألوف.

 

وزعمت الغجرية أن بوسعها أن تحقق أي أمنية. وبرغم النذير الخفى ألا تفعل فقد وجدت أمنيتها الطافية على سطح ذاكرتها فهمست بها في أذن التمثال: «عاوزه أخسر عشرين كيلو في يوم واحد».

 

ولذهولها شاهدت أذن التمثال تتحرك. وابتسامة شريرة تتلاعب على شفتيه. وأحست بملمس التمثال الطرى كأنه لحم آدمى، فرمته بعيدا فتلقفته الغجرية في هدوء. بعدها لم تلبث المرأة دقيقة واحدة، وابتعدت لدهشتهما دون أن تطلب نقودا.

 

وتبادلت مع زوجها نظرات الدهشة. وهمت أن تخبره بهواجسها لكنها أمسكت. ولاحظت النادل الذي شاهد كل شىء وهو يقترب منها في تردد. ولم يسألها سوى سؤالا واحدا وكأنه يريد أن يطمئن: «هل تمنيت شيئا ما».

 

قالت عيناها المرعوبتان نعم فاغمض عينيه في أسف واستدار مبتعدا وهو يقول: «ربنا يستر». حاول زوجها أن يهدئ مخاوفها ويتظاهر بالطمأنينة، لكنه انفرد بالنادل وطلب منه تفسير ما حدث. قال النادل في حزن: «هذه ساحرة سيئة، تمارس السحر الأسود». قاطعها زوجها مندفعا: «ولكنه خرافة». ابتسم في أسف وقال كأنه يحدث طفلا: «الأمنية تتحقق بحذافيرها في كل مرة، لكن للأسف بشكل غير معتاد».

 

وبالفعل وفى طريق عودتهما إلى مدينتهما الأصلية تعرضت سيارتهما لحادثة مروعة، نتج عنها للأسف بتر ساقيها، وكأن وزنهما للأسف عشرين كيلو جراما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.