أيمن الجندى يكتب | الآرمل

أيمن الجندى يكتب | الآرمل

د.-أيمن-الجندى1

ليلة جديدة طويلة من الأرق. ملاءته مجعدة! مخدته مبللة بالعرق، قميص بيجامته خارج من سرواله. شعره مشعث. وجهه مُسودٌ بالسأم. لم تكن تلك هى أيامه التى خططها لنفسه. فى حقيقة الأمر هو لم يخطط لشىء. استغرقته الحياة بتفاصيلها ولم يحسب حسابا لأيام كتلك! تضنى الوحدة قلبه بعد أن ماتت زوجته وخلا البيت تماما إلا من الأشباح القديمة. وصار للصمت صوت صاخب هو صوت أفكاره المتلاحقة. يتعاقب الأرق والنوم حتى لم يعد يميز ليلا من نهار! وحين ينام فإنه يكون دائما على أعتاب اليقظة. أحلامه غزيرة ومليئة بالصراخ والانفعالات المكبوتة. يشعر بالأسف وكثير من الغضب! ويلوم أولاده ويشعر بالخداع، لكنه لا يدرى ماذا لو عاد الزمن! هل سيتعلم من تجربته المريرة؟ هل سيكف يديه السخيتين عنهم؟ أحقا ما يُقال إن الأب العطوف يلقى الجحود من أبنائه، بينما يحتفظ الأب العنيف القاسى بمهابته حتى النهاية؟

وكيف ينسى أنه كان يمنح نفسه بالكامل! وقتها كان ملء السمع والبصر! وقتها كان يجلب المال وكانوا يتبارون على إرضائه. مثله كمثل البقرة الحلوب التى تدر لبنا! لكن ما مصير البقرة حين يجف ضرعها؟ أو كجواد السباق حين يعدو ويرمح؟ ثم يجر الكارو؟ ثم يصير طعاما للأسود! المهم أن ينتفع به صاحبه دون مبالاة لمشاعره.

نهض من فراشه يائسا من النوم وكارها لليقظة. جسمه مُسمم من تلك الحبوب المنومة اللعينة. ونفسه مسممة من إحساسه بالخذلان. عما قريب يؤذن الفجر فيصلى بلا روح. ينظر من خلال النافذة المتسخة إلى المدينة الهاجعة، النائمة عن شجون الساهرين، اللامبالية حد القسوة. حينما استيقظ من نومه فوجد زوجته ميتة بجواره. كان ابنه يبكى كطفل! وولولت البنتان فى حزن صادق. فلماذا لم ترق له قلوبهم القاسية؟

كانت وجوههم تشرق حين يرونه! وكان يتمادى فى العطاء عالما أن للبذل سعادة تفوق الأخذ! وفرحته حين يرى الفرحة فى عيون أبنائه تدفعه للمزيد من السخاء والمزيد من الخطايا! فليعترف أنه لم يكن يدفع زكاة ماله! فليعترف أنه ظلم كثيرين من أجل الحصول على المال اللعين! ومطالب الأبناء لا تنتهى! بيت! سيارة! رحلات للخارج! رصيد كافٍ فى البنك يلبى احتياجات أحفاده. دائما يبذل ولا يحصل فى المقابل إلا على الفرحة ترقص فى عيونهم، وقد كان ذلك يكفيه وزيادة.

المشكلة أنهم كفوا عن الاهتمام به لحظة أن كف عن جلب المال. اختفى البريق المعهود فى عيونهم. وحلت محلها نظرة توحى بالسأم وعدم المبالاة! وكلما حاول أن يفتح موضوعا للحديث، تبادلوا نظرات ساخرة فيما بينهم. الآن وقد تقاعد عن العمل فعليه أن يتحلى بالذوق ويموت فى هدوء!

وارتفع أذان الفجر فى تلك اللحظة. وفجأة أحس وكأنه تحرر من طغيان أفكاره الصاخبة. وشعر برغبة عارمة أن يحلق ذقنه ويتحمم. وحين وقف هادئا تحت زخات الماء فإنه شعر بأنه يغتسل من الداخل. نظر إلى ثيابه المبللة بالعرق فى اشمئزاز وبدلها بثياب نظيفة تفوح منها رائحة الصابون المعطر. ولنفس السبب راح يرتب البيت ويغير الملاءات. ضخ العطور على وجهه وجسده ونظر فى أمل إلى النور المتدفق من الخارج! لماذا يستسلم لهذه المشاعر السلبية؟ ويمتلئ قلبه حتى الحافة بالمرارة؟ وإذا كان أبناؤه قد خذلوه فدروب الحياة البديلة كثيرة. والدرب لا يخلو من الصحبة والدنيا لن تخلو من الحلاوة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.