أيمن الجندى يكتب | الزهرة

أيمن الجندى يكتب | الزهرة

د.-أيمن-الجندى1

لى «يا أيمن أنت الوحيد القادر على الإصلاح بينهما. أنت نصاب وتجيد الكلام».

قالوا كلاما كثيرا لكنى لم أصغ له. كان الموقف عجيبا ومحيرا. لقد تعكر صفونا جميعا حينما دب الخصام بين أحمد وعصام. أغرب ما فى الأمر أنهما شقيقان! كنا أصدقاء العمر نحمل مودة متساوية لكليهما. حينما دخل الشيطان بينهما وعرفت الفرقة طريقها إليهما كان ذلك بمثابة كارثة وقعت علينا. ليس لحرمة الأخوة فقط ولا لميثاق الصداقة، ولكن لأن عادتنا فى لقاء الجمعة الأسبوعى قد تأثرت. وقد علمتنى الأيام أن أسوأ ما فى الموت أنه يفجعنا بتغيير العادات، حين تصبح للعادات مع تقدم العمر مكانة مقدسة!

وهكذا وافقت على القيام بدور حمامة السلام. تقابلنا فى حديقة النادى وتصافحا فى فتور. شرعت أتأملهما فى تعجب. من أغرب الأشياء أن أجدنى أُصالح بين الأشقاء. ولكنهما ليسا شقيقين فقط، بل هما صديقان! والله يعلم محبتى لكليهما. وأهم من المحبة أن هذين الوغدين البدينين قد أفسدا ما رتبت عليه أيامى من لقاء أسبوعى نضحك فيه كثيرا ونستعيد ذكرياتنا القديمة ونشاهد الأفلام. وابتسمت داخلى متسائلا: هل سيفهمان الدعابة لو صارحتهما بدوافع أفعالى! ثم قدرت أنهما وغدان سمجان فى طور الكآبة والأفضل هى البداية التقليدية.

«أنتما صديقان! آآآ، وشقيقان أيضا وإن كنت أنسى هذا كثيرا. ( ولمحت ابتسامة على شفتيهما جاهدا أن يقمعاها)، وأعرف أن هناك أسبابا مهمة تدفعانكما إلى هذا الموقف المتصلب، ولكنى أعرف أيضا أن الشيطان أفرخ فى روحيكما معا».

وبدأ أحمد يتكلم بحكم أنه الأكبر بعام واحد، قال أشياء كثيرة لم أصغ لمعظمها. تحدث عن تضحيات مالية قديمة فعلها بكل ترحاب كونه الأخ الأكبر. ونوّه إلى أن صداقتهما لا تنفى وجوب الاحترام. وقاطعه عصام متحدثا عن الجفوة وسوء المعاملة. وشخط أحمد فيه متحدثا عن سوء معاملة زوجة عصام لزوجته. والخناقة التى دبت بين ابنيهما لسبب تافه. وغضب عصام غضبا عارما زاعما أن زوجته تفصم العلاقة الأبدية بين الأشقاء. وقال أحمد فى برود إن احترامها من احترامه. وجاء ذكر المرحومة والدتهما وأبيهما المعلم الفاضل، وعمهما الذى لا أعرفه وفدادين البلد التى يريد عصام التخلص منها بينما يعتبرها أحمد كرامة العائلة!

وشرعت أرمق وجهيهما البدينين البليدين اللذين عكرهما التنافر، مستعيدا فى اللحظة نفسها وجه صباهما القديم الناحل. حينما كانا صبيين يضحكان طيلة الوقت. كانا لا يملكان جنيها واحدا وبرغم ذلك كانا سعيدين. واليوم أعلم بيقين أن كليهما صنع ثروة وها هما تعيسان أشد ما تكون التعاسة.

واقترحت أن نتمشى قليلا فى الحديقة، فاستجابا لى والمناقشة لم تزل محتدمة بينهما. وفجأة توقفت! وأمعنت النظر. بين البلاط الأسمنتى انتصبت زهرة وحيدة حملت بذرتها رياح مفاجئة. كيف استطاعت أن تشق طريقها رغم قسوة الأسمنت! لا أدرى!

لم ينتبها إلىّ وأنا أتأملها فى شغف. كانت وحيدة رقيقة ضعيفة وبرغم ذلك كانت حية. لونها يصعب وصفه بالتحديد. هى أولى درجات البنفسجى حين يقترب من الأبيض. وكانت أوراقها فى رقة جناح الفراش وضعفه أيضا. وبرغم ذلك كانت صامدة بهبة الحياة فيها.

ونظرت لصديقىّ فى رثاء! وفكرت لوهلة أن أضعهما أمام عظمة الزهرة! أن أجعلهما يضعان خلافاتهما التافهة أمامها، ثم يحكمان بأنفسهما. لكننى قدرت أنهما لن يفهما. وتركتهما يمضغان تفاهات الحياة ويتشاجران، جاعلا الزهرة نصب عينىّ…

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.