أيمن الجندى يكتب | الطفل

أيمن الجندى يكتب | الطفل

د.-أيمن-الجندى1

اختطاف (هانى) بدا للوهلة الأولى مجرد عمل إجرامى للحصول على فدية. لكن الأمر غير المعتاد أن يكون والد الطفل ضابطا مهما معروفا بالحزم والشراسة.

لم يعد هانى من المدرسة. الأم انهارت تماما. والده حرص على الكتمان كل الحرص، إذ اعتبر حدوث ذلك لابنه إهانة لا تٌغتفر.

ونشطت المباحث لمعرفة الجناة فى انتظار المكالمة المنتظرة التى تُطالب بفدية. لكن المكالمة لم تحدث. الأمر الذى صرف الأذهان عن الخطف كوسيلة للابتزاز إلى الخطف كانتقام من الأب. معروف أنه كان يلجأ للتعذيب بدم بارد فى سبيل الحصول على الاعترافات. وكانت طريقته لا تخيب أبدا. لذلك ترقى فى سلم وظيفته وصار متوقعا أن يكون له مستقبل مشهود فى قادم أيامه.

بعد مرور أسبوعين عاد هانى. بوجهه البرىء وعينيه السوداويين الواسعتين وشعره الفاحم الناعم. الغريزة وحدها هى التى جعلت أمه تفتح الباب لتجده واقفا فى صمت دون أن يدق الجرس. مضت لحظة من الذهول وعدم التصديق قبل أن تتلقفه فى أحضانها. تضغط صدره النحيل بكل قوتها لكى تتأكد فقط أنه موجود وهى تضحك وتبكى. وخرج أبوه من غرفته يرمق المشهد فى صمت قبل أن يعانق ابنه. لكن غصة كانت تعتريه. إذ إن عودته دون القبض على الجناة كانت بمثابة إهانة تفوق الإهانة الأولى.

كانت الأيام التالية مشحونة واستثنائية. لكن شيئا كان يحيك فى صدر أمه. شىء ما مختلف فى وجه هانى! شىء ناقص أو زائد لا تدرى. لكنها كلما راقبته أحست ذلك الإحساس الفظيع بأنه ليس ابنها. الوجه هو الوجه. والملامح هى الملامح. والقامة هى نفس قامته بالضبط وقياس ملابسه واحد. ولكن أليس غريبا أن يحدث هذا برغم اختطافه؟ ألم يكن مفروضا أن ينقص وزنه شيئا ما؟ لماذا يبدو أحيانا كمن لا يعرف اتجاهات البيت؟ هل هذا شىء يُنسى؟ مدة أسبوعين ليست بالمدة الطويلة التى تنسى الطفل بيته. حتى لو زعم الطبيب أنه من المعتاد بعد حادث اختطاف أن يبدو الطفل تائها ومرتبكا.

لكن أهذه هى الحقيقة؟ هل الأمر مجرد ارتباك وتوهان؟ ماذا عن قلب الأم الأكثر حساسية من كل أجهزة العالم؟ لماذا أصبحت لا تنام بسهولة وكأنها تشعر أن كائنا غريبا فى البيت؟ كائنا يشبه ابنها كل الشبه لكنه ليس هو.

خيوط المباحث لم تفض لشىء. هانى لم يدل بشىء يذكر. وبدأ يبحث فى ذاكرته عن أسماء ضحاياه الذين يريدون الانتقام منه. وطفت له ذكرى معينة أقلقته وقتها ثم طردها بإصرار عن ذاكرته.

يذكر هذه المرأة التى كانت تمارس السحر والشعوذة. كان وجهها مخيفا وشيطانيا. ونظراتها صارمة ومسيطرة. تلاقت عيونهما وتصارعت الإرادتان وبصعوبة تمالك نفسه. كان ضربها مؤلما وأقسى من أى إيذاء أوقعه بامرأة. لكنه كان غاضبا حين كادت تستحوذ على إرادته. الغريب أنها لم تتوجع! وإنما ظلت ترمقه بنظرة باسمة وكأنها ترثى له مما سيحدث.

التحريات أثبتت ظهور طفل فى هذه الأسرة. ذهب إلى البيت عند أطراف الجبل وهو يتحسس مسدسه. فى الوقت نفسه كانت الأم ترمق هذا الطفل فى صمت. وراودها شعور قوى أنه نسخة من طفلها. نسخة متقنة ولكن مزيفة. بل ربما لم يكن من الأصل بشريا.

وتسلل الضابط إلى البيت شاهرا مسدسه. وكان أول من شاهده طفلا واسع العينين، فاحم الشعر يبادله نظرات الدهشة.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.