أيمن الجندى يكتب | الفندق

أيمن الجندى يكتب | الفندق

د.-أيمن-الجندى1

استجاب له مقبض الباب بيسر دون أن يستخدم أى مفتاح. ورمقته رباب فى دهشة فقال فى غموض إن الباب يطاوعه لأنه يأتى إلى هذا الفندق كثيرا. ودلفت رباب وراءه بفستان الزفاف الأبيض. وانهمك عريسها فى أشياء غامضة، وبقيت وحدها تفكر فى معنى كلماته. هل يقصد أنه قضى ليلة زفاف هنا مع عروس أخرى؟ وفكرت أنها لا تعرف الكثير عنه، وأن زواجهما جرى فى سرعة خاطفة أشبه بالحلم، وفى ظروف مضطربة، كلما حاولت أن تتذكرها انتابها الشك فى سلامة ذاكرتها.

وتجولت رباب فى الغرفة تتفقد أرجاءها فلم تجد إلا الأشياء الضرورية. لكنها لم تفكر فى الشكوى. عرفت اليتم منذ طفولتها وعاشت على هامش المدينة مع أم خائفة قليلة الحيلة. ولولا خال يظهر من العام إلى العام لظنت أنها مقطوعة من شجرة. ولولا حيل أمها فى تدبير البيت بالمعاش الهزيل لتسولت فى الشوارع.

نظرت إلى نفسها تتأمل ثوب زفافها. الثوب أبيض وبسيط جدا. بسيط إلى حد يذكرها بشىء لا تدرى ما هو. ثمة بقع بيضاء كثيرة فى ذاكرتها. آخر ما تتذكره أنها كانت تركب الميكروباص، ثم سمعت صوت فرامل حادة، ثم دارت الدنيا حولها عدة مرات، بعدها فقدت وعيها. لكنها حين استعادت الوعى وجدت نفسها ممدة على سريرها، وأول ما شاهدته طلاء السقف المتساقط. من الحَسَن أنهم عرفوا عنوانها. من الحَسَن أنهم حملوها إلى بيتها. من الحَسَن أن خالها ظهر، وامتلأ البيت بجيران كلهم مهتمون بسلامتها.

الغرفة صامتة تماما والعجيب أنها لا تعرف عنوان الفندق. لكنه على الأرجح غير بعيد، والدليل أن الرحلة لم تستغرق زمنا طويلا.

وسمعت صوت أقدامه يقترب منها. وأحست بحياء تخالطه فرحة. لشد ما انتظرت هذه اللحظة. لكنها كانت يائسة من زواجها. تخطت الخامسة والعشرين ولم يطرق بابها خاطب. لا أحد فى المدينة يشعر بها أو حتى يعرفها. صحيح أنها لا تذكر الظروف التى تم فيها زفافها. بل لا تذكر أول مرة رأته. على الأرجح شاهدته عندما امتلأ بيتها بالزوار وكانت أمها تبكى. وأخذتها فى حضنها وسألتها علام البكاء والفرحة جاءت إلى بيتهم أخيرا. ولزمت الصمت وهم يعدونها للزفاف. حمام دافئ ونظافة فى أماكن حساسة أخجلتها كثيرا ثم هذا الثوب الملتف الأبيض.

وساد صمت مترقب. ووضعت سيناريوهات عديدة لتقدم عريسها من خلفها. هل سيزيح الطرحة؟ هل سيخلع ثوبها الأبيض؟ هل سيكون رقيقاً معها؟ هل يعرف أنها وردة بتولة؟ هل يعلم أنها خضراء لينة؟ هل يفهم أنها هشة ضعيفة؟ وأغمضت عينيها حين أحست به خلفها. وفى شبه غيبوبة شعرت به يحملها، ثم ألقاها فوق مخدع صلب. وراح يخاطبها بكلام لم تفهم معظمه. لكنها قالت لنفسها إنها تستطيع الاعتماد عليه، وإلا فلماذا تركته أمها يأخذها؟ ولماذا سلمها خالها إليه إلا لأنه أهل للثقة!

وساد الصمت، وانتظرت رباب من عريسها أن يرقد بجانبها، ولكنه لدهشتها غادر الغرفة وأغلق الباب. وفاحت رائحة عطرية مبهمة. وجرت رباب لتفتح الباب لكن المقبض لم يطاوعها. شعرت بخوف يسير فى بادئ الأمر وتملكتها رهبة الأماكن المُغلقة. لكنها طمأنت نفسها أنه، كما قال، يأتى كثيرا. وأحست بأنها مازالت متعبة من جراء الحادثة، وأنها تحتاج إلى أن تنام قليلا. ولذلك فقد أسرعت إلى المخدع الصلب ولملمت ثوبها الأبيض المفتوح وأغمضت عينيها.

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.