أيمن الجندى يكتب | المتعالى

أيمن الجندى يكتب | المتعالى

د.-أيمن-الجندى1

لم يكن شفافا أبدا. ولم يول عناية تُذكر بعالم الروح. شخص عادى منهمك فى الحياة. لكنه كان ذا قلب رقيق، وبرغم حدة تنتابه فى بعض الأحيان فقد كان سرعان ما يندم، ويثوب إلى طبيعته الأصلية عندما لا يعتريه الغضب. خليط الخير والشر والأبيض والأسود. ليس ملاكا ولا شيطانا.

بدأ الأمر حيث ذهب إلى النادى الاجتماعى المشترك به. كان متضايقا وإن لم يعرف ذلك. مجهدا من الحر والزحام. زد أنه تعثر فى حفرة على جانب الطريق. وهكذا دلف إلى بوابة النادى حاملا الحر والرطوبة والسخط والزحام، وهناك اندلعت شرارة غضبه حين طالبه الحارس بكارنيه العضوية، بلهجة غير ودية، وصفها فيما بعد بأنها وقحة. وهكذا كما يحدث فى هذه المواقف اشتعل غضبه كلهيب متصاعد، ووجه إهانات لحارس البوابة الذى حاول فى البداية أن يسيطر على تصرفاته لزوم لقمة العيش، لكن أثارته نظرة الاحتقار الذى راح يرميه بها كبصقة، وازدحم الناس حولهما ودلف إلى النادى مصمما على تقديم شكوى، وإيذائه ما استطاع.

كانت هذه هى بداية حدوث الظاهرة. بينما كان جالسا على مائدة منفردة، منهكا من الغضب، وما يتركه فى البدن من آثار انسحاب هرمون الأدرينالين، حينما اقترب منه الجرسون حاملا كوب الشاى الذى طلبه، إذا به يسمع صوتا لا عهد له به من قبل. صوتا ليس ككلام البشر أو مواء القطط أو تغريد الطيور. لا يشبه حتى الأصوات المعروفة مثل تهشم كوب على الأرض، أو رنين الملاعق حين تصطدم بنفسها، صوتا خفيا ينبع من داخل الأشياء، صوتا أدرك على الفور أنه صوت قميص!

أجل! لا يوجد خطأ فى الأمر. لذهوله التام سمع صوت قميصه وهو يخاطب قميص الجرسون متباهيا: «ما هذه البقعة التى توجد عليك؟! يا له من قميص رخيص حقير!».

لم ينتبه الجرسون بالطبع إلى المشادة التى نشبت بين قميصه وقميص الزبون الفاخر، ولم يقطعها إلا ابتعاده متجها نحو زبون آخر. لم تكد المعركة تنتهى حتى بدأ التلاحم بين كوب الشاى وكوب الماء، كل منهما يحاول إثبات أنه الأفضل.

منذ ه ذه اللحظة تحولت حياته إلى جحيم. لسبب غير معلوم اكتسب حاسة سماع الموجودات وهى تتشاجر فيما بينها. هذه الثلاجة الغالية الأنيقة تتعالى على الثلاجة المتواضعة محلية الصنع. السيارات تسير فى الطريق وهى تتشاتم. السيارة الجديدة اللامعة تتباهى على السيارات الرخيصة.

وقس على ذلك كل شىء. الثياب الأنيقة راقية الذوق، والثياب الرخيصة سيئة التفصيل! الحذاء الجلدى اللامع والحذاء البائس الحقير. النظارة الغالية والرخيصة. كل شىء فى عالمنا يتعالى ويتباهى، ولأول مرة فى حياته يدرك حمق الأشياء. وراح يقول فى نفسه كم هى عبيطة؟! ولا تحسن تقدير الأمور.

إنها ببساطة لم تصنع نفسها، والأولى بالمدح هو صانع هذه السلعة!

وفجأة ظهرت له الحقيقة على ضوء كاشف. إنه فى عبط الثلاجة المغرورة والسيارة المتعالية. لأنه يتباهى بما لا يد له فيه. لا هو خلق نفسه ولا رزقها. إنها عطية الخالق الذى أعطاه ليختبره، لا ليتعالى على الحارس المسكين.

عندما ذهب إليه ليعتذر منه، وجلسا كندين وتعانقا كصديقين، أدهشه أن الأشياء كفت فيما بينها عن التعالى. لم يدر وقتها هل كانت تلقنه درسا! أم أن السلام يشيع فى الأرض بقدر ما يتحقق فى روح الإنسان!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.