أيمن الجندى يكتب | المحظوظ

أيمن الجندى يكتب | المحظوظ

د.-أيمن-الجندى1

لم يكن صديقى سعيدا. برغم النجاح الهائل الذى حقّقه فى رحلة الحياة. كان يبدو وكأنما الأقدار تحابيه. تزوج من امرأة بارعة الحسن جمّة المزايا. والأهم أنها تحبه بجنون. حقق نجاحا فى حياته المهنية لم يكن أحد يتصوره. وحينما أتذكره الآن طالبا معى فى الدفعة نفسها، لم يظهر عليه من دلائل النبوغ ما يجعلنا نتوقع أن يحالفه التوفيق إلى هذا الحد وتتحول عيادته إلى نافورة مال. وفى حين كنا نتجرع غصص المعاناة aكانت الأمور تسير معه بشكل غير متوقع وغير مفهوم.

على سبيل المثال لم يكن من أوائل الدفعة ولم يكن مقدرا له أن يتم تعيينه فى الجامعة لولا معجزة حدثت وجعلت أحد الأوائل يغير تخصصه، ويخلو المكان لصديقنا المحظوظ. وراقبناه بعين العجب والحسد وهو يتم تعيينه معيدا قبلنا بكثير. بعدها بعامين ناقش رسالة الدكتوراه فيما كنا نحن نتوسل إلى أساتذتنا كى يسمحوا لنا بالتسجيل. كانت الرياح تدفع سفينته فى عمق المحيط. فيما تعاكس سفننا وتمزق أشرعتنا. حتى الزمن كان معه لا عليه. وإنه ليعيد تشكيل ملامحه فيزداد وسامة كلما مرت السنون. وكأنه استخلص من وجه الصبى أجمل ملامحه فزادها رونقا وأضاف إليه النجاح جلال الرجولة، فاستوى نجما لامعا يخطف الأبصار.

وبرغم ذلك كله لم يكن صديقى سعيدا. أو ذلك ما قرأته حينما التقينا مصادفة. كان بيننا من الود والصحبة القديم ما يجعله يخلع كل الأقنعة أمامى ويقولها بوضوح:«ما أنا بسعيد».

ولم يكن ذلك مما يثير استغرابى. أعترف بأننى منذ البداية وأنا أتوقع ذلك. لكننى لم أتوقع أن ينهار بهذه السرعة، إذ فوجئت به يزورنى وهو على حافة الانهيار. لم يعد الرجل اللامع المحظوظ بل كيانا محطما. لحيته نامية، عيناه كسيرتان وأحيانا مجنونتان. التعاسة التى أحدقت به من كل جانب والفتور العظيم الذى جعله لا يشتهى شيئا ولا يريد أن يصنع شيئا. كنت أتمزق وأنا أراه عاجزا عن كسر الدائرة الجهنمية. قلت له فى صدق: «مشكلتك أن الأمور جرت معك بسهولة لا تصدق. تزوجت امرأة جميلة تحبها وتحبك. ارتقيت فى سلم النجاح المهنى بسرعة هائلة. طاوعتك الأقدار كأنها فتاها المدلل. نجحت. سافرت. عشقت. لكل إنسان بكرة خيط يشدها يوما بيوم، وها هى بكرتك قد طاوعتك إلى آخر الخيط الإنسانى. ولم يعد هناك ما تحققه أو تطمح إليه».

قال لى بلهجة ساخرة: «ما أغرب منطقك! وكأنما الحل أن أفقد كل شىء حتى أستعيد سعادتى. زوجتى.. مالى.. عيادتى». قلت له آسفا: «أنت تسخر منى ولكنها الحقيقة. ولعل شكر النعمة يغنيك عن هذا الثمن الباهظ».

ومرت شهور لم أره. وإن لم أنقطع عن التفكير فيه. حتى تلاقينا فقال لى بلهجة ماجنة لم أشعر بالارتياح لها: «ها قد نفذت نصيحتك أن أفقد كل شىء فأكسب نفسى». صرخت مستفظعا: «لم أنصح بذلك»، ولكنه قاطعنى: «لا تخف فلم أخسر شيئا إلا نفسى. ماذا تقول لو أخبرتك أننى حاولت أن أخسر كل شىء ففشلت! ضربت زوجتى وأسأت معاملتها فازدادت بى شغفا وتعلقا. غامرت بنقودى فى أسهم خاسرة بالبورصة فارتفعت كلها. أهملت عيادتى فازداد إلحاح المرضى».

وانثنيت على نفسى من كثرة الضحك وقلت: «يا لك من وغد محظوظ».

قال وقد تكدرت عيناه بنظرة كسيرة: «قل الحقيقة. إننى رجل تعيس».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.