أيمن الجندى يكتب | النصر المزيف

أيمن الجندى يكتب | النصر المزيف

د.-أيمن-الجندى1

حينما كان طفلاً كانت لعبته المفضلة مع أبيه هى «مصارعة الذراعين» أو ما يُطلقون عليه «رست». ينطق أبوه بالكلمة السحرية «تلعب رست؟». وقتها تتملكه الفرحة ويعرف أن لحظة الانتصار قادمة. تبدأ اللعبة بأن يثبت كل منهما كوعه على المنضدة، ثم تتعانق الكفان توطئة لأن يحاول كل من الخصمين ثنى ذراع الآخر حتى تصل إلى الوضع الأفقى وتلمس المنضدة. وقتها يتحقق الفوز ويؤكد الفائز انتصاره النهائى.

هذه هى قواعد اللعبة. وكان أبوه دائما ما يبدأ بالصلابة. ويميل بيده الصغيرة فى يسر. فيستنفر الابن قواه الكامنة. لكن المقارنة لم تكن واردة. قوته بالنسبة لقوة أبيه نقطة فى بحر. ثم فجأة يتظاهر أبوه بانهيار القوة. ويلين تحت ذراع ابنه النحيلة كأنه لا يتحمل. وقتها تتملكه النشوة. ويميل بوزنه مخالفا قواعد اللعبة. لكن أباه يغض الطرف فى تواطؤ مشترك. يميل ساعد أبيه الغليظ المكسو بالشعر رويدا رويدا. يصبح الصغير على شفا النصر. يتظاهر أبوه بالانهيار ويفتعل الهزيمة فيلتصق كفه العريض بالمنضدة، ويصرخ الصغير منتشياً بالفوز. ومع تهليل أبيه يقتنع الصغير بنصره المزور.

يحدث هذا داخل البيت! أما معارك الخارج فكانت معارك حقيقية. حينما خرج من بيته ليواجه الحياة كان هذا هو اختباره الأول لحدود قوته. وكان الأطفال فى مثل سنه يخوضون هم الآخرون اختباراتهم الأولى. وما بين الرغبة فى الصحبة واللهفة إلى تأكيد الذات تحدث المواجهة الأولى. وقتها يدرك عن حق حدود قوته.

جاره فى البيت يضربه. زملاؤه فى المدرسة يمرغون به الأرض. وحينما تجرأ على شجار الشوارع انتهى الأمر بهزيمة. وفى كل مرة يعود إلى بيته باكياً. وفى كل مرة يؤوب إلى أحضان أبيه مقهوراً. وفى كل مرة ينطق أبوه بالكلمة السحرية: «تلعب رست؟».

لحظتها تتكرر اللعبة: يتعانق الكفان، الصغير والكبير كلاهما، يتظاهر أبوه بالعزم، ثم يلين ساعده المكسو بالشعر الذى تفوح منه رائحة الرجولة. لحظتها ينسى هزيمته فى الطرقات وينتشى بالنصر المزيف.

وتمر الأيام ويكبر الصغير وتتوالى المعارك. معارك الحياة التى لا ترحم، ولكنها ليست بالشكل القديم البدائى. معركة مع الغلاء الذى يصعد بسرعة الصاروخ ولا يكفى معها راتبه. معركة مع زملاء عمل أقوى وأذكى. معركة مع رئيسه فى العمل الذى لا يكف عن توبيخه. معركة مع الشرطى الذى يرهبه. معركة مع المرض الذى يهدده. وفى كل معاركه يؤوب مهزوماً، ضعيفاً أمام القوت والناس والسلطة والمرض، مكشوفاً أمام نفسه.

وفى كل مرة يعود إلى البيت ليستعيد ذكريات طفولته. أبوه مات ولكن الساعد المهزوم لا يغادر ذاكرته.

«تلعب رست؟»، وقتها تتردد الكلمة من الماضى. يسمعها بوضوح. تعود برنينها المبهج. الأفيون العذب الذى ينسيه عذاب الحاضر. لحظتها يبدأ صراع القوى.

لكن «لعبة الرست» صارت لها الآن أشكال أخرى. ينثنى نحو زوجة مقهورة لا تقوى على أعباء الطلاق وأطفال ضعفاء لا يملكون المقاومة. تتعملق إرادته أمام تخاذلهم. ينفجر غضباً، يسومهم سوء العذاب، يقهرهم. وحين ينثنى الساعد الموهوم إلى الوضع الأفقى ينسى ولو للحظة عابرة هزيمته المكررة فى صراع القوى، منتشياً بالنصر المزيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.