أيمن الجندى يكتب | اليوم الأخير

أيمن الجندى يكتب | اليوم الأخير

د.-أيمن-الجندى1

استيقظنا وقد أُلقى فى روعنا جميعا أن هذا اليوم هو آخر أيامنا فى الحياة. وأننا، معشر البشر جميعا، سوف نلفظ أنفاسنا لحظة احتضار الشمس عند الغروب.

لآلاف السنين، ظل البشر تحت وطأة السؤال الحائر: «هل توجد مخلوقات أخرى فى الفضاء؟». وكانت لهذه الحيرة ما يبررها. هذا الوجود الفخم، بنجومه وأبراجه وأقماره، أليس مدهشاً أن يكون خاوياً تماماً من أنفاس تعمره، إلا كوكبنا الصغير الأنيق. مثل كل البشر تساءلنا، ولم يكن جيلنا يعلم أنه الموعود بإجابة السؤال.

لم يخطر على بالنا قط أن أبناء الكواكب هم بالضرورة غير مرئيين. يستحيل قطع المسافات السحيقة إلا لمخلوقات قطعت فى سلم التطور شأواً عظيماً، فتخلت عن أجسادها المادية، لتسافر فى الفضاء.

كانت المعركة محسومة قبل أن تبدأ. فكيف تحارب عدواً خفياً، يراك ولا تراه! كنا مكشوفين أمامهم تماماً. يتسللون داخل بيوتنا وفى أعماق ضمائرنا، ينقلون رسائلهم بالتخاطر، لا نعرف عنهم أى شىء وهم يعرفون عنا كل شىء. وكانت الرسالة واضحة: «سوف تموتون جميعاً عند الغروب».

صباح اليوم الأخير. غادرنا بيوتنا فى صمت. القشرة الخارجية من التمدن سقطت سريعاً، وعادت غريزة الأجداد الذين ارتموا بين أحضان الطبيعة.

كانت المدينة صامتة تماماً، وكأنها تتهيأ للحدث العظيم. وكأنما تفقه بالغريزة أن حدثاً جليلاً بمقدار انتهاء العالم لا يليق أن نودعه إلا بالسرور. خرج الناس يرقبون شروق الشمس. آخر شروق يشهده الجنس البشرى. لشد ما بدا الشروق ثمينا ويستحق المشاهدة. انبث فى الجانب الشرقى ضوء خفيف. ثم بدأ مهرجان الألوان الكونى. وتقدم اللون الأحمر، تخالطه الفضة النقية، جنبا إلى جنب الأزرق الرقيق. وكأنها الجواهر المذابة تنسكب فى السماء. وتدحرجت الشمس الوليدة وعلت شقشقة الطيور. تغريد قصير ما لبث أن اتصل، وتهامست أشباح الأشجار المتلاصقة، وترقرق الندى على الأوراق الخضراء الصغيرة التى نمت أثناء الليل. وتنفس الصبح، وبدأت سائر الكائنات فى الاستيقاظ. لم نصدق أن هذا المشهد الجليل كان يحدث كل يوم، ولكننا كنا نقبع داخل البيوت الأسمنتية، غافلين عن رؤية هذا الحدث الكونى الفريد.

تمرغنا على العشب الأخضر، لنستنشق رائحة الشمس. أصبحنا جزءا من الملحمة الكونية، طِرنا مع الفراش الملون، حلقنا مع العصافير، تفتحنا كالورود اليانعة، شعت الطبيعة بالسحر فتشربناه كنبتة، لعبنا مع القطط، سابقنا الكلاب. وتعالت تأوهات الدهشة، وأصبحنا ننظر إلى بعضنا البعض، أحقا انشغلنا بحياتنا التافهة وبين أيدينا كل هذا الجمال؟

وتقدم النهار أكثر، وتحدثنا فى صفاء. غفرنا كل الذنوب القديمة، واعترفنا بحماقتنا حين كنا نتشاجر على لا شىء. واستدار النهار وجاد الأصيل بنسمات منعشة، وزايلتنا الوحشة وحل الأنس والحب. واعترفنا أننا عشنا فى هذا اليوم الطيب أكثر مما عشناه فى حياتها كلها.

وحين بدأ مهرجان الغروب الفاتن، ورسمت الريشة السماوية أصباغها الحمراء، ومالت الشمس نحو الغرب، وكبرت الشمس واستدارت، كبرت قلوبنا واستدارت. وخالطنا الرضا وسلمنا بالقدر والمكتوب. وحين احتضرت الشمس وانتظرنا أن يأتى الموت، انطبعت رسالة فى أعماقنا كتبتها الكائنات الخفية، أبناء الكواكب، تقول الرسالة الرقيقة: «وداعا يا سكان الأرض، لقد أحببتم الحياة فاستحققتم الحياة. عيشوا كل يوم كأنه آخر يوم. عالمكم جميل جدا، هدية الله. ومن حسن أدب العبد أن يفرح بالهدية حين يقدمها له مولاه».

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.