أيمن الجندى يكتب | جنتى الضائعة

أيمن الجندى يكتب | جنتى الضائعة

د.-أيمن-الجندى1

كان الليل قد أرخى سدوله حينما عدنا، أنا وجارى العزيز، إلى البيت. وعلى مقربة شاهدت القطة البيضاء التى صارت من معالم بنايتنا فى الآونة الأخيرة. وتذكرت مواءها اللحوح وتمسحها على باب شقته، ومكوثها بالساعات أمامه محاولة الدخول. تساءلت فى دهشة: «كل ذلك لأنك أطعمتها مرة!». رد فى غيظ: «لم أدخلها إلى بيتى إلا مرة وحيدة. كانت زوجتى بالخارج. وطلب أولادى منى دخولها. ورحنا نتناول الغداء سويا ونُلقى إليها بالطعام. وحين اقترب موعد عودة زوجتى طردتها لأنها لا تطيق القطط. ومنذ ذلك الحين وهى تحاول الدخول. لم تكتف بالمواء، ولا بالخربشة على باب البيت، ولا بمحاولة التسلل فى هدوء، وإنما تحاول أن تفتح الشبابيك بمخالبها وكأنها لص! وتوقظنى فى الثالثة ليلاً بمواء أشبه كالسباب. وحتى السلك الذى وضعته لحجب البعوض مزقته. لا أدرى فيم هذا الإصرار؟».

(لا أذكر لحظة ولادتى، لابد أننى وُلدت فى ركن ما فى هذا الشارع الذى لا أعرف غيره. ثمة ذكريات غامضة. رائحة أمى، مذاق اللبن، ملمس شقيقاتى المغمضات مثلى، شعور الخوف حينما تبتعد أمى لإحضار الطعام. والمعارك التى خاضتها لدفع أى غريب متسلل، وإحساس الأمان المطلق الذى كنت أشعر به حين تقترب. لكن المشاعر تتغير مع مرور الوقت. كبرتُ، واختفت أمى تماما، ولم يعد هناك مناص من أن أعتمد على نفسى فى إيجاد الطعام.

هذه صارت مفردات عالمى الجديد: صناديق القمامة التى ننبش فيها بحثا عن شىء يُسكت الصراخ فى أجوافنا، معارك الشارع الحامية، مشاعر الخوف والمطاردة، وحين يجن الليل تبدأ المعارك الدامية، لأن الكائنات الأكبر حجما تجدك دائما مهما اختبأت تحت السيارات. الليل مملكة الرعب، وحين تشرق الشمس وتعود الكائنات الطويلة إلى الشارع تتوقف معاركنا نوعا وأتنفس الصعداء.

هذه هى حياتى التى لم أعرف غيرها حتى جاء ذلك اليوم العجيب. كنت جالسة على الدرج حين شاهدت أحد الكائنات الطويلة وهو يصعد مع صغاره. لا أدرى لماذا تبعته، وانفتح الباب فوجدتهم يدعوننى إلى الدخول.

تشممت كل ركن فى المكان حتى أحسست بطمأنينة. جلسوا جميعا على المائدة وبدأوا يتناولون الطعام. وفى رقة حانية، ذكرتنى بأمى فى العهد الأول، وضعوا أمامى طبقا يشتمل على أشهى المأكولات. الطعام كان نظيفا شهيا له رائحة رائعة، وشعرت بالدفء وأنس لم أشعر به فى حياتى. هم يتحدثون وأنا أستمع، أحيانا أشارك بالمواء. وتذكرت صراع الشوارع والمعارك الدامية وصناديق القمامة كماضٍ بعيد حزين عشته فى حياة سابقة.

وفجأة وبدون أى توقع، وجدت الكائن الطويل يفتح الباب ويأمرنى بالخروج. شعرت بالهلع وصرخت صرخة هائلة: «أرجوك. لا». لكنه بدا أنه لم يفهمنى، أو ربما لم يبال، حملنى بالقوة ورمانى إلى الطريق.

أيام عديدة وأنا أحاول أن أعود. أتسلل فى هدوء. أتمسح فى أقدامهم. أموء بطريقة مثيرة للشفقة، أعتذر عن أى خطأ ارتكبته أو لم أرتكبه. أحاول أن أشرح لهم أننى لم أعد أقوى على تشرد الشارع بعد أن تذوقت الدفء والنظافة. ولكن هيهات. الأبواب حيطان والقلوب حيطان. أوصلنى اليأس للمجازفة. تسللت إلى الشبابيك الخلفية، محاولة أن أفتحها بمخالبى، لكن الكائن الطويل راح يصرخ غاضبا. ومنذ ذلك الحين، كلما برحنى الشوق اقتربت، أموء فى صمت الليل الحزين، نائحة على جنتى الضائعة).

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.