أيمن الجندى يكتب | حياة قطة

أيمن الجندى يكتب | حياة قطة

د.-أيمن-الجندى

عند بوابة العمارة اعتادت القطة العجوز أن تجلس لساعات لا تصنع شيئا. لا تفكر ولا تتأمل ولا حتى تذكر صباها الأول حين دخلت هذا البيت لأول مرة مدفوعة بالجوع وروح المغامرة. كانت وقتها مجرد قطة صغيرة وجديدة ومفعمة بالحيوية والنشاط. وكان مجرد النظر إليها متعة، تُصدر حركات مضحكة، تتشقلب، تنونو بصوت عذب رقيق. وكان تدخل قلوب جميع سكان العمارة بطريقتها فى أن تبدو رقيقة ومثيرة للشفقة. وكانت صديقة لجميع أطفال البناية. تتمسح فى أرجلهم وتلهو معهم. وحتى الأمهات كانوا يحبونها ويتحفونها بالحليب البارد الذى لا يُوصف طعمه وأطايب الطعام. وبرغم أن قططا عديدة من قطط الشارع قد حاولت أن تنال مكانتها فإن السكان لم يعطوا لهذه القطط وجها فاضطرت إلى الرحيل. وبقيت هذه العمارة جنتها، لم تضطر يوما إلى صراع الشوارع ولا أن تبحث فى صناديق القمامة عن طعام. ولم يكن عليها أن تتكلف مقابل ذلك شيئا. كل ما كان عليها أن تصنعه هو أن تبدو على حقيقتها بلا تكلف، رقيقة وهشة ومحبة للحياة.

ومرت السنون ولم يعد هناك سوى الحاضر الثقيل. الجسد ترهل، والوجه تجعد، وفى العيون نظرة راكدة، واختفت تماما القطة الصغيرة الرقيقة العاشقة للحياة. حتى ذكرياتها فى الحب والأمومة توارت خلف يوم ممتد طويل. ولم يعد هناك شىء يربطها بالماضى هو تلك العمارة التى كبرت مثلها. حتى الأطفال كبروا، وبعضهم تزوج وغادر البيت. والبعض انتقل من المدرسة الابتدائية إلى المرحلة الجامعية، والأمهات صرن أقل ودا، وإن لم يقطعن الطعام بحكم العادة. لكن الحليب اختفى والكميات صارت أقل وأردأ، ولكنها تفى بالمطلوب.

كانت القطة قد أصبحت سيدة العمارة وحدها، وجعلت تحلم أن تقضى وحدها فى هدوء ما تبقى من العمر فى هذا المكان. كانت عجوزة ومرهقة وتشعر بالوحدة، بعد أن ذهبت حيويتها ولم يعد الذكور يطلبونها، فلا بأس من الحياة فى هذا الركن من العالم دون قلق أو خوف.

وفجأة شاهدتها. قطة صغيرة بيضاء خضراء العينين. لا تدرى من أين جاءت؟ شاهدتها تموء فى رقة لسكان العمارة. تتسكع فى لطف، تتمايل فى دلال. قطة ذكرتها بنفسها فى الزمان الأول! وأيام الصبا الخالى وكأنما الزمن عاد للوراء.

ولم يطل الوقت حتى ظهر الطعام. حليب بارد عذب، كالذى كانت تذوقه فى الأيام الخالية، وطعام وافر مستحب لا بقايا الطعام. وفار فى قلبها غضب عارم. ولكنها لم تقنع نفسها أن العمارة تتسع لقطة أخرى، وإنما تصورت أن هذه الدخيلة قد وضعت يدها على عمارتها. كان الهرم والعزلة قد جعلاها شرسة وأنانية. فهجمت على القطة الدخيلة كى تشرذمها. لكن القطة الصغيرة راحت تموء فى رقة ومسكنة وتستنجد بالسكان الذين ظهروا فجأة وأبعدوها فى حزم.

علقتان أو ثلاث. ابتعدت بعدها القطة العجوز تماما وراحت ترمقها فى حقد. وبرغم أن الطعام كان يكفيهما معا فإن ذلك لم يخفف من غلواء حقدها. وظلت القطة الجديدة برقتها وهشاشتها تلعب مع الأجيال الجديدة من الأطفال وتشاركهم لهوهم، وتتمايل فى رقة وغنج أمام الأمهات. سعيدة مرحة لا تحمل هما للدنيا مثل جميع الشباب الصغار.

وعادت القطة العجوز إلى موضعها المعتاد أمام بوابة العمارة، وقد أمعنت فى الحزن والصمت. ولم يعد هناك من يعبأ بها، عاشت أو ماتت! أكلت أو امتنعت عن الطعام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.