أيمن الجندى يكتب | حينما شاهدتُ «أنا» الآخر

أيمن الجندى يكتب | حينما شاهدتُ «أنا» الآخر

د.-أيمن-الجندى1

الصدفة وحدها هى التى جعلتنى أشاهده. كنت أتحسب من هذا اللقاء الذى أقامته دفعتنا احتفالا بمرور عشرين عاما على تخرجنا. كم يوجع قلبى رؤية الوجوه القديمة بشعرها الأبيض وملامحها التى نالت منها الأيام بعد الشعر الفاحم والعيون الوامضة.

وهكذا ذهبنا إلى الإسكندرية فى إحدى ليالى رمضان. كان البرنامج حافلا ويتضمن إفطارا شهيا من المأكولات البحرية فى أحد المطاعم السياحية الرابضة فى قلب البحر الأزرق.

كان اللقاء- كما توقعت- عامرا بالشجون والذكريات المنسية. وحين التقيت بالزملاء القدامى لم أجد فارقا كبيرا بين ما كناه بالأمس وما نحن عليه اليوم. نحن نكبر بأجسادنا فقط. أما داخلنا فنفس الخجل والحزن والحيرة.

واكتسى الأفق بالرمادى الحزين. وهكذا انسحبت وتواريت أمضغ شجنى ووحشتى. وقتها رأيت «أنا» الآخر! يحمل وجهى وملامحى بالضبط. ويتأمل البحر مثلى شاردا.

لم أشك لحظة أنه «أنا» وأننى «هو». خالطتنى ومضة إدراك جعلت ما يعتبره الناس مستحيلا واردا ومنطقيا.

وعاودتنى ذكرى بعيدة تعود إلى سنين كثيرة مضت. كنت فى الإسكندرية أصطاف فى شقة خالى بالإبراهيمية، ومازلت أرتدى المايوه الذى جففته الشمس بعد أن عدنا لتونا من الشاطئ. مازلت أذكر ما حدث وكأنه قد جرى اليوم. كنت صغيرا وقصيرا ونحيلا وهشا. ولسبب ما قررت أن أنزل وأشترى أيس كريم من محل «صابر». وتسللت دون أن أخبر أحدا. وابتعت بالفعل الأيس كريم، ثم اكتشفت أننى ضللت الطريق إلى البيت، ولا أعرف طريق العودة.

وهكذا فعلت الشىء البديهى الذى يفعله أى طفل فى موقفى: شرعت أبكى. والتف حولى الناس يهدئون من روعى. كان زجاج نظارتى مُضببا من البكاء، ورأيتهم بالمقارنة بى كالعمالقة! وقال آخر إننى بلباس البحر ولابد أن أهلى فى الشاطئ. وحاولت أن أقسم لهم بأننا ذهبنا إلى البيت لكن أحدا لم يصدقنى. وتطوع رجل حنون باصطحابى إلى قسم الشرطة. وعاودت البكاء ولم أكن أعلم أن أهلى فطنوا إلى غيابى وبدأوا رحلة البحث عنى. وفجأة وجدت نفسى بين يدى زوج خالتى، الذى ذهب إلى قسم الشرطة فوجدنى. وحينما عدت إلى البيت كان شيئا قد انكسر داخلى، ولم يلتئم بعد كل هذا العمر. كان هواء البحر يعبث بشعرى. وأنا أرمق من بعيد «أنا» الآخر. ولِمَ لا أفترض أنه «أنا» الذى ضاع فى دروب الإسكندرية واختطفه شخص إجرامى؟ وما الذى كنت سأصير إليه بلا تعليم وبدون رعاية أمى وأبى؟ ألم أكن فى أفضل الأحوال سأعمل نادلا فى مطعم؟ كانت الأصوات المتداخلة تتسرب من الشبابيك ليبددها هواء البحر المتدفق. وبدت لى الفكرة وقتها ممكنة. حياتنا ليست حياة واحدة كما نتصور! ولكن فى اللحظات الفاصلة تنقسم الحياة إلى حياتين، لكل منهما خطها المنفصل. كان هناك (أيمن) الذى عاد إلى أحضان أبيه وأمه وسيصبح طبيبا فيما بعد، وكان هناك (أيمن) الذى لم يعد، وصار نادلا فيما بعد. ولكل منهما حياته المنفصلة فى مدار لا يلتقى بالمدار الثانى! وفى اللحظة نفسها التفت وشاهدنى. عرفنى مثلما عرفته. عرف ما كان سيؤول إليه لو عاد إلى أبيه وأمه، وعرفت ما كنت سأؤول إليه لو لم أعد. ثم فجأة تلاشى «أنا» الآخر، وانفصل العالمان مرة أخرى. عدت إلى الأصدقاء وأنا أترنح. مسكونا بالشجون أستمعهم، نتحاكى ماذا صنعت الأيام بنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.