أيمن الجندى يكتب | ساعته الضائعة

أيمن الجندى يكتب | ساعته الضائعة

د.-أيمن-الجندى

هذه المرة نام مبكرا وهو شىء نادر الحدوث لا يتكرر إلا كل بضعة أعوام. مضى العهد الجميل الذى كان يشعر بثقل جفونه فى العاشرة مساء، وصار يغازل النوم كعشيقة قاسية صعبة الإرضاء. سهولة النوم ترادف عنده نقاء الضمير، وهو شىء لا يزعمه بحال.

تسرب الوعى إليه بعد ساعات قليلة من النوم. تقلب على الفراش المعادى. أغمَض عينيه بقوة. قبض على النوم. مازال الصباح بعيدا. غدا يوم طويل من العمل ولن يتمكن بحال من نوم الظهيرة. ليته لم ينم بالأمس مبكرا. ولكن هل هو الأمس حقا؟ لقد اختلطت الأزمان.

من العبث أن يتقلب فى فراشه إلى ما لا نهاية. ترى كم الساعة الآن؟. تحسس المنضدة باحثا عن ساعته، ثم تذكر أنه فقدها منذ بضعة أيام. ساعته الثمينة التى أهداها إليه والده قبل أن يموت. وبرغم أنها عزيزة على قلبه فإن أحداث الأيام السابقة كانت متلاحقة وعاصفة وغيرت من مجرى حياته بالكامل، حتى إنه لم يمتلك البال الرائق للحزن على ساعة عزيزة مفقودة، خصوصا وقد فقد ما هو أثمن منها بكثير.

هبط من فراشه موفور اليقظة ليكتشف أن الساعة الرابعة فجرا. فليأكل فلربما تثقل جفونه حينما يمتلئ بطنه.

لشد ما يبدو له البيت موحشا. تسلل فى صمت إلى المطبخ باحثا عن شىء يأكله. الكون غارق فى الصمت حتى ليتساءل: هل هناك أحياء فى هذا العالم؟ وهل ستحدث مثل هذه اليقظة الموجعة فى القبر؟ وماذا لو وجد نفسه قائما وهناك من يبادره بالسؤال؟

ترى بماذا سيجيب؟

كان مثل كل البشر مفعما بالآمال والمشاعر البدائية. تصوراته كانت تشبه فكرة البشر الأقدمين عن الكون. الأرض مركز الكون. أنا مركز الكون. كل شىء كان يعزز إحساس الأمان لدى الإنسان ولكن! لو كان هذا صحيحا فلماذا يشعر بكل هذه الوحشة الآن؟

شرع يأكل وهو يقرأ مقالا لواحد من النخبة الذين سقطوا فى هاوية التوحش والفاشية. وسرعان ما وجد نفسه زاهدا فى استكمال المقال. كلام! ما أكثر الكلام! ذاكرة الأمة مصابة بالوهن، ولكن ماذا عمن لا تدركه سنة ولا نوم!

بصراحة لا يفكر لحظة فى إدانته إلا إذا أدان نفسه مقدما. بشكل ما يشعر وهو يحدق فى صورة وجهه بأنه أمام مرآة. كلاهما مهزوم فى ميدان النفس. ماذا لو استيقظ مثله فى جوف الليل الصامت ووجد نفسه وحيدا ومدانا؟ ماذا لو فتش مثله عن ساعته الضائعة؟ هل يوجد شىء فى العالم يعيد له احترامه لنفسه! هدية والده! النوم المراوغ! الصفاء القديم؟

مازال الوجه يطالعه رغم أنه قلب الصفحة متعمدا. كان رسوبهما مروعا ومحزنا ويخشى أن يكون نهائيا، ولكن فى مجالات مختلفة.

استصغر هو هزيمته الأولى أمام نفسه. وحينما توالت هزائمه لم تهتز منه شعرة وتواءم معها على نحو ما. ولكن ماذا يفعل بتلك اليقظة المروعة فى عالم الروح؟

يقف الآن مدانا أمام محكمة نفسه، ويشعر بالهلع من محكمة قادمة بين جدران المقبرة حين ينتصب ويسألوه!

وفى تلك اللحظة ارتفع صوت المؤذن لصلاة الفجر. وإذا كان الكون يسجد فلماذا لا ينحنى هو ساجدا؟

حينما انحنى مغمض العينين مستيقظ الروح خيل إليه- أن يده تلمس ساعته الضائعة لمسا خفيفا، ولكن لا شك فيه.

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.