أيمن الجندى يكتب | سومرست موم

أيمن الجندى يكتب | سومرست موم

د.-أيمن-الجندى1

حينما أراد د. رشاد رشدى أن يبرز أخطاء كتابة القصة القصيرة – من وجهة نظر النقاد- فإنه لم يجد من يستشهد بأخطائه سوى الأديب الإنجليزى سومرست موم (١٨٧٤- ١٩٦٥)، برغم ذلك فشل الناقد الكبير فى إشعارى بالذنب كونى أعشق (إلى حد الافتتان) سومرست موم. والنتيجة التى خرجت بها ألا تطوحنى آراء النقاد وأن أثق فى ذوقى الشخصى. فليخطئ سومرست موم فى قواعد القصة، إنها ليست مقدمة، طالما هو ساحر الكلمات. الأديب الذى استطاع أن يجمع التشويق مع العمق، وأثر فى وجدانى وأسلوبى تأثيرا بالغا. وكانت ليلة العثور على رواية جديدة لم أقرأها عيدا يستحق سهرة خاصة مع الشيبسى واللب والسودانى وذلك لعلمى بالمتعة القادمة.

تعلمت كثيرا جدا من سومرست موم. أول ما تعلمته هو ألا يكون الأدب مملا بدعوى أنك تكتب شيئا مهماً. إنه التشويق وسلاسة الأسلوب والبساطة المتناهية التى يعبر بها سومرست موم عن أعقد الشخصيات الإنسانية. والعمق الذى يتسم به هذا التناول. هل أحكى عن «عبودية الإنسان» التى اختلط فيها الفن القصصى بسيرته الذاتية التى أراد أن يكتبها ليتحرر (على حد قوله) من الذكريات التى تسومه سوء العذاب! أم أحكى عن تعلقه الأليم بميلدرد الساقية السطحية التافهة (والتى يعلم أنها كذلك) والتى لم تبال به ذرة، ولكنه برغم ذلك لم يحب سواها. وأهان نفسه إلى حد الوجع لأنه لا حيلة فى الحب ولا كرامة لعاشق. أم أحكى عن قصته الخالدة «الأمطار»، والتى تدور فى الجزر الاستوائية حيث فرض قس متعصب سيطرته باسم الرب. وهيمن على غانية لعوب وحاصرها حتى لم يترك أمامها أى منفذ لدرجة أنها بدأت تتأثر به من فرط هيمنته. ثم وقع فى الخطيئة معها (كان يشتهيها طيلة الوقت دون أن يدرى) ومن ثم انتحاره وصراخ الغانية أن كل الرجال خنازير.

أم أحكى عن (الخطيئة السابعة) والتى تدور فى الملايو إحدى مستعمرات صاحبة الجلالة وأبطالها الطبيب المثقف الذى أحب امرأة تافهة العقل وتزوجها ثم تورطت فى علاقة غير شرعية مع نائب الحاكم البريطانى والذى هو رجل نذل وغد ولكنه يروق للنساء (وكل الأوغاد يروقون للنساء!) وكيف تخلى عنها عندما اكتشف زوجها العلاقة. ووضعها أمام خيارين: الطلاق إذا تعهد العشيق بالزواج منها أو الذهاب معه إلى منطقة وباء كوليرا. وبالطبع تخلى العشيق عنها بدم بارد، لتجد نفسها مجبرة على الذهاب إلى منطقة الوباء لتعيد اكتشاف ذلك الزوج النادر المتفانى والذى يعرف الكل قدره باستثنائها. ولكنها برغم كل شىء تجد نفسها غير قادرة على حبه. وتنتهى الملحمة بتغير نظرتها إلى الحياة كلية بعد أن شاهدت الموت فى الوباء الكاسح. وتعرف أن زوجها يريد الموت فيتهاون فى احتياطات الوقاية من الكوليرا، ليرحل الرجل النبيل وتهتف له فى لوعة أنها عرفت قيمته وأنها تحبه! فيتقلص وجهه من التقزز حينما يسمعها تنطق كلمة الحب فى هذا الموضع. ثم يموت لتعود إلى الملايو وقد أصبحت بطلة قومية، ويستضيفها الوغد القديم بحكم منصبه، فإذا بها تستسلم له مرة أخرى رغم احتقارها له ولنفسها، ولكن العشق بلا كرامة كما قلت منذ قليل. وتعود إلى وطنها إنجلترا لتحاول أن تعيد اكتشاف ذاتها من جديد.

هذه قطرات من روائع سومرست موم الذى علمنى أن أحاول فهم الإنسان وعدم إدانة ضعفه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.