أيمن الجندى يكتب | شهداء الحقيقة

أيمن الجندى يكتب | شهداء الحقيقة

د.-أيمن-الجندى1

كنتُ قد غادرت المدينة مستكشفا الصحراء. لم أكن أتصور أنها تنطوى على هذا الجمال الربانى! بحر الرمال الصفراء الشبيهة بالذهب، والشمس تشرق كزمردة، لتدفئ الرمال بقبلات الضياء.

 

 

كان الصباح شتائيا معتدلا، وقد بدت السماء من فوقى كبحيرة زرقاء صافية، تطفو فيها السحب كزوارق بيضاء. وفى غمرة السحر الذى يحيطنى ثار غبار مفاجئ فى الأفق، ثم انجلى عن ثلة من الفرسان يحيطون برجل عارى الجذع مشدود الوثاق بسلاسل حديدية. نظرت إليهم فى تعجب وقد ظهروا من المجهول، كأنما انشقت الصحراء عنهم.

 

 

وبرغم الخوف الذى داهمنى للحظة فسرعان ما خالطنى شعور بالطمأنينة، وكأننى فى مشهد غير حقيقى. واندفع الفرسان نحوى وكأننى خطر محدق، وبدا فى اندفاعهم نوع من المبالغة، أنا الوحيد الأعزل فى مواجهة القوة والعدد. واتجهت السيوف نحوى فى تحفز.

 

 

وهتفتُ فى حزم: «تمهلوا. أنا أعزل».

 

 

اقترب منى قائد الحرس: «من أنت؟ وماذا تصنع هنا». ولم أملك ما أجيب به فسكت. وشعرت أنه يتفحصنى بعين حارس مدقق. همس فى تعجب: «ثيابك غريبة. وملامحك أيضا. ما الذى ترتديه فى معصمك؟». ومد يده فانتزع نظارتى ونظر خلالها فى فضول! ثم تناولت هاتفى المحمول الذى كنت أحمله فى يدى، قال فى طفولة مفاجئة: «هل هذا يعمل؟».

 

 

دهشته الصادقة جعلتنى أفهم أنه نوع من تداخل الأزمنة. هؤلاء الفرسان جاءوا من الماضى. ونظرت نحو الأسير المشدود وثاقه، وبدا أنه فهم الأمر مثلى. قلتُ هامسا: «فى أى عام أنت؟». لمعتْ عيناه فى اهتمام فتساءلت: «هل تستخدمون التقويم؟ مواقيت تحدد الأزمنة».

 

 

أردفت: «هل خرج سيدنا المسيح؟». بدا أنه لم يفهم، تساءلت: «ماذا عن الفراعنة؟». بدت عليه الدهشة. رسمت له على الرمال هرما فلم يعرفه. قلت: «رباه! أنت أقدم من خوفو!». سألنى: «كم يفصل بيننا من الزمان؟». قلت بصدق: «لا أدرى. ربما مائة ألف عام أو أكثر».

 

 

شهق بصوت مرتفع، فزمجر قائد الحرس: «لا أفهم كلامكما». قال له الأسير فى ازدراء: «ومتى فهمت؟».

 

 

سألته: «من أنت؟». قال فى ترفع: «أسير كما ترى. شهيد الحقيقة» قلتُ فى حزن: «ما تهمتك؟» قال فى إباء: «رفضت السجود للملك. وأصررت على الحرية». قلت: «ماذا سيصنعون بك؟». قال فى بساطة: «سيقتلوننى طبعا». دهشت لثباته فقال حالما: «يوما ما سيسود العدل، وينتصر الحق. أنا واثق من ذلك». نظرت إليه فى حزن ولم أعلق. فلم أرد أن أفسد نهايته. قال وقد استأنس لحديثى: «خبرنى عن زمانكم. هل أنتم سعداء؟». رددت صادقا: «هل السعادة موجودة؟». قال: «هل تغلبتم على الموت؟»، قلت: «ما زلنا نموت». قال: «والمرض؟» قلتُ: «نمرض طيلة الوقت». قال: «فهل عم السلام العالم؟». قلتُ: «ما أكثر حروبنا!». قال: «والفقر؟». قلت: «أكثرنا فقراء». قال: «والحب؟». قلت: «الصادق منه أندر من الذهب». قال: «والذهب؟». قلت: «يشترى الرجال والنساء على السواء». قال: «والنبلاء؟». قلت: «تعساء». قال: «والعشاق؟». قلت: «بؤساء». قال: «والصادقون؟». قلت: «مُجبرون على الصمت». قال: «والأنذال؟». قلتُ: «يحكمون العالم».

 

 

لمحت فى عينيه خيبة أمل، ولكنه تماسك وقال حالما: «ربما لم يأت الأوان بعد. لكن فى يوم آت سوف يسود العدل ويحكم الإخلاص العالم».

 

 

وشد قائد الحرس وثاقه وجرّه فى غلظة. صاح بصوت عال: «اقرئ شهداء الحقيقة فى زمانك منى السلام. وقل لهم: لا تيأسوا. فاليأس خيانة».

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.