أيمن الجندى يكتب | غبار الأمنيات المزيفة (٢/٢)

أيمن الجندى يكتب | غبار الأمنيات المزيفة (٢/٢)

د.-أيمن-الجندى1

حاولت «جنا» أن تعرف ماذا حدث لها بين الثالثة عشرة والثلاثين. لكن «مات» أخبرها أنه لا يعرف عنها شيئاً منذ المرحلة الثانوية. لقد افترقا بعد أن طردته من منزلها. وانتظر لوقت طويل أن تعتذر لكنها لم تفعل. ثم ذهب كل منهما فى طريق مختلف.

 

 

وبدأت «جنا» تكتشف حياتها الجديدة. كل ما تمنته وهى مراهقة قد تحقق الآن. لقد صارت، كما تمنت، امرأة فاتنة يتمناها الرجال، وحققت نجاحاً صحفياً رائعاً فى حياتها المهنية. لكن خلف الغلاف البراق تكمن التفاصيل المحزنة. اكتشفت أنها فى السنوات المنسية قد أهملت والديها وقاطعتهما تقريباً. اكتشفت أنها بلا صديقات، بل خانت زميلتها مع زوجها. اكتشفت أنها نقلت أسرار العمل إلى المجلة المنافسة. ورغم النجاح والجمال والفتنة لم تعد راضية عن حياتها الجديدة. ببساطة لأنه ما زال داخلها قلب الطفلة، ابنة الثالثة عشرة، المحتفظة بالبراءة الأولى.

 

 

ولم يكن لديها سوى «مات» تلجأ إليه أن يساعدها ويأخذ بيديها. وبالفعل لم يخذلها وإنما شرع يساندها فى تهذيب مشوب بمرارة، لكنه ظل يحرص على أن تبقى هناك مسافة بينهما. لم ينس مرارة نبذها له وهو قلب أخضر. لقد دارت الأرض عدة مرات وانقلب كل شىء رأساً على عقب. و«كريس غراندى»، الذى نبذت «مات» من أجله، صار سكيراً فاشلاً. هكذا أدركت «جنا» أن «مات» هو الشىء الحقيقى الوحيد فى حياتها، وهكذا أدركت أنها تحبه. لكن المشكلة أن أشياءنا الثمينة التى سقطت من جيوبنا، ونحن نركض خلف القطار، لا نستطيع الانحناء لاستعادتها لأن الأمور لا تجرى بهذه البساطة. «مات» مثلاً كان على وشك الزواج بفتاة أخرى. وبينما كانت استعدادات ليلة الزفاف تتم وعروسه تضع لمساتها الأخيرة، أخبرها «مات» أنه تألم بسببها كثيراً. ورغم ذلك احتفظ ببيت الأحلام كل هذه المدة. كانت مفاجأتها برؤيته لا تُوصف، أخبرها أن مشاعره ارتبكت كثيراً حينما اقتحمت حياته. لكنه أدرك فى نهاية الأمر أنه لا يمكننا إعادة الزمن إلى الوراء. لقد مضى كل منهما بحياته، وسلكا اتجاهين مختلفين، واختار فتاة أخرى لا ذنب لها وضعتها الأقدار فى طريقه.

 

 

تركته «جنا» وهى تبكى. عادت «جنا» إلى بيتها القديم ومضت إلى خازنة الثياب تستعيد اللحظة الفاصلة فى حياتها. الشىء الحقيقى الذى أدارت ظهرها له، لأنها لم تدرك وقتها أهميته.

 

 

وتناثر «غبار الأمنيات» السحرى. وعادت النجوم تتألق بالفتنة والجمال والألوان المتألقة المتعاقبة. وعادت «جنا» فتاة الثالثة عشرة لحظة أن فتح «مات» الخازنة بالضبط. لكنها كانت قد تعلمت الدرس، وارتمت فى أحضانه. منحته أول قبلة فى حياتها وحياته. ارتسمت على وجه «مات» البدين ملامح المفاجأة، وبدا كأنه أسعد صبى فى العالم. لأول مرة تكف «جنا» عن إهماله، وتمنحه الاهتمام الذى يستحقه. لقد تغير الماضى فتغير تبعاً لذلك المستقبل، فإذا بـ«جنا» تجد نفسها وقد أصبحت عروس «مات» التى تضع لمسات الزينة الأخيرة.

 

 

كان الزمن رفيقاً بـ«جنا» ومنحها فرصة أخرى. لكنه لن يرفق بنا ويجاملنا هذه المجاملة. فلنحرص إذاً على أشيائنا الحقيقية، ولنضعها فى قلوبنا لا جيوبنا حتى لا تسقط ونحن نطارد القطار المسرع. ولنرفق بهؤلاء الذين أحبونا بحق كيلا نعض أنامل الندم فى المستقبل، ويضيع أجمل ما لدينا فى غبار الأمنيات المزيفة.

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.