أيمن الجندى يكتب | غبار الأمنيات المزيفة (1- 2)

أيمن الجندى يكتب | غبار الأمنيات المزيفة (1- 2)

د.-أيمن-الجندى

هل تذكر صديقك المقرب فى المرحلة الابتدائية؟ الإعدادية؟ الثانوية؟ الجامعية؟ قبل العمل؟ بعد العمل؟ الفتاة التى أحببتها وقطعت معها الطريق يوما؟ هل للأحبة القدامى الآن وجود فى عالمك أم تراك استغنيت عنهم؟

لم أكن أتصور أن يثير هذا الفيلم داخلى كل هذه الشجون! إنه قصة أشيائنا الثمينة، حين تسقط منا وحين نركض خلف الحلم الملون. الناس الذين أحبونا وأحببناهم، فى مرحلة ما فى حياتنا، ثم ضيعناهم فى زحمة السفر.

حفلة عيد ميلاد «جنا»، فتاة الثالثة عشرة، التى لا تحظى بشعبية فى المدرسة، وتتعجل الأيام كى تمر بسرعة وتنال حظها من الأنوثة والجمال. «مات» وحده هو الذى يراها جميلة. جارها فى المنزل المجاور وزميلها فى نفس الصف، الذى يحوطها بالحب والعناية ويتعقب أمانيها الصغيرة. كهدية عيد ميلاد، يصنع لها بيت أحلام مصغرا. الغرف كما تحلم بها بالضبط، حتى مطربها المفضل وضعه فى البيت، ووضع نفسه أيضاً كى يمنعه من مغازلتها. ثم نثر «غبار الأمنيات» السحرى فوق البيت لتتحقق كل أحلامها.

كل هذا الحب العفيف، الذى يلمس القلب، لم تبال به «جنا» وقتها. إنه «مات» البدين الذى تسخر منه البنات، ولا يُقارن «كريس غراندى» فاتن البنات فى المدرسة. يقولون إن زهدك فى راغب فيك نقصان حظ. من المؤسف أننا لا نفطن فى الوقت المناسب إلى أشيائنا الثمينة الحقيقية. من المحزن أننا نعاملها بإهمال وقسوة غير مدركين أنها- بطبيعتها- لا تُعوض.

كل هذا لم تدركه «جنا» وقتها. كل ما كانت تحلم به أن يُعجب بها «كريس غراندى» ويلحق بها فى خزانة الثياب ويقبلها كما وعدها. لكن ينصرف فى قسوة مخبرا «مات» المسكين أن «جنا» تنتظره. أغمضت «جنا» عينيها فى انتظار قبلة «كريس»، وحين فتحت عينيها وجدت «مات» أمامها. عاملته بقسوة أنثى جريحة. دفعته فى صدره، وحطمت بيت الأحلام على رأسه وطردته من بيتها. ارتسمت الصدمة المريرة وعدم الفهم على وجهه الطفولى البرىء. انصرف وقد انكسر فيه شىء إلى الأبد.

أما «جنا» فقد قرفصت داخل خزانة الثياب، وراحت تنثر «غبار الأمنيات» فوق رأسها، وتبكى بمرارة. وشرعت تتمنى أن تصبح امرأة فى الثلاثين ناجحة فاتنة مغرية. لم تكن تدرى أنه غبار سحرى، وأن الأمنيات على وشك أن تتحقق. كانت مغمضة العينين ولذلك لم تر الغبار المنثور وهو يتحول إلى نجوم متلألئة بالفتنة والجمال والألوان المتألقة المتعاقبة. وحين فتحت عينيها وجدت نفسها امرأة فى الثلاثين، حافلة بالفتنة والأنوثة.

كان عليها أن تستوعب الصدمة. كان عليها أن تكتشف حياتها الجديدة. كل ما حدث بين الثالثة عشرة والثلاثين لا تدرى عنه شيئا. كل ما تعرفه أنها فى داخلها بنت الثالثة عشرة. لقد تغير العالم من حولها، وتحتاج إلى نقطة بدء. أرض ثابتة تخطو عليها. وقتها لم تفكر سوى فى «مات»، رمز الثقة فى عالمها.

كان «مات» قد أصبح الآن رجلا فى الثلاثين، ممشوق القوام، بالغ الوسامة. لكن هذه لم تكن المفاجأة الوحيدة. الأغرب أنه استقبلها فى تحفظ شديد وكأنها لم تكن يوما صديقته المقربة. بالنسبة إليه لقد عادت «جنا» من الماضى، أما بالنسبة إليها فقد كان كل شىء طازجا وكأنه قد حدث بالأمس. والحقيقة أنه قد حدث بالأمس فعلاً.

(نكمل غداً إن شاء الله).

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.