أيمن الجندى يكتب | فى جدلية التقىّ والسلطان

أيمن الجندى يكتب | فى جدلية التقىّ والسلطان

د.-أيمن-الجندى1

مثلما يحدث فى كل البيوت فقد حدث اختلاف فى الرأى بينى وبين أخى الأكبر أ.د. أحمد الجندى، وكيل طب طنطا، الذى لم يعجبه مقالى «ملاحظات على خطاب السيسى»، فأرسل هذا الرد الذى أنشره إعمالاً لحرية الرأى، ولأنه أثار إشكالية لطالما حيرتنى: «هل يحق للحاكم من إراقة الدماء فى سبيل تثبيت أركان الدولة ما لا يحق للمواطن العادى؟». والآن مع الخطاب:

«أخى الحبيب.. لطالما نصحك قراؤك ومحبوك بتجنب الكتابة فى السياسة وها أنت ذا تعود لنا بمقال يحسبه كاتبه إبراءً للضمير وجلاءً للروح، بينما هو صرخة أديب شاعر لا يفقه معنى كلمة «دولة» سالت بالأمس من أجلها دماءٌ كثيرة «بحقها» وتسيل اليوم، وستسيل غداً.

سالت الدماء من قبل على أيدى مَنْ هم أعظم منى ومنك. سالت على أيدى أبى بكر وعلى ومعاوية وجل خلفاء المسلمين. لقد تهيَّبها من قبلك عمر رضى الله عنه فمازال به الخليفة النابه حتى شرح الله صدره. وأسألك اليوم بربك: إلام كانت دولة الإسلام لو لم يقتحمها ويحسمها الصديق؟ هل ولول الصحابة كما تولولون اليوم أم كانوا أوعى من أحفادهم مائة مرة عندما فهموا «إلا بحقها»، إذ أدركوا أنه عندما تتعرض كينونة الدولة للخطر يهون كل شىء فى سبيلها، ويبقى الحكم لله العلى القدير بين القاتل والمقتول. وما فض اعتصام حروراء ومقتل عشرين ألفاً فى معركة النهروان على يد جيش على بن أبى طالب عنا ببعيد. وقد سُئل الإمام على كرم الله وجهه عنهم: «أكفار هم؟» فقال: «من الكفر فروا»، فسُئل: «أمنافقون هم؟»، فأجاب: «المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً وهم يذكرون الله كثيراً»، فسُئل: «من هم إذن؟» قال: «إخوة لنا بغوا علينا فقاتلناهم».

كان فقهاء المدينة أربعة منهم عبدالملك بن مروان الذى كان لا يترك الصلاة حتى سُمِّى حمامة المسجد. وعندما أفضت الخلافة إليه، والمصحف فى حجره، أطبقه وقال: هذا آخر العهد بك. وشمَّر عبدالملك بن مروان لاستعادة الدولة الإسلامية بعد أن تقلصت للشام ومصر حتى استعاد العراق من مصعب بن الزبير والحجاز من أخيه عبدالله، ومازلنا جميعاً نذكر كيف ضرب مكة بالمجانيق حتى دانت ديار الإسلام له. وأسألك لثالث مرة: إلام كانت دولة الإسلام لو لم يتهيأ لها ابن مروان؟

نعم قلبك وقلبنا معذَّبان بالدماء، وكلها محتسب عند ربنا «إلا بحقها». ولا يعنى ما بسطناه أبداً أننا نستحل دماء المسلمين، ولا نهوّن من شأنها، فلَحُرمة دم المسلم أعظم عند الله من زوال الكعبة، ولكن شتان بين التقى غير المكلف إلا بنفسه وبين رجل الدولة المكلف بالحفاظ على ثغورها والمعنىّ بمصالح العباد. وقد أحسن من قال: «من يخاف لا يحكم، ومن يحكم لا يخاف».

وها أنت اليوم تتباكى على جماعة ضالة منحرفة الفكر هى أم كل الجماعات قاعدةً كانت أم داعشةً، وما يوم كرداسة منك ببعيد! وحتى لا يزايد علينا فنعيد للمرة المليون أننا نفرق بين الأفراد (فهم إخوة لنا ضلوا، ندعو الله لهم بالهداية) وبين فكر الجماعة الضال المنحرف القائم على تقويض الدولة لصالح الخلافة المزعومة التى تتحول فيها بلادنا إلى إمارة يحكمها والٍ من قِبل خليفة».

انتهى الخطاب وتبقى الإشكالية: «هل يحق للحاكم من الدماء ما لا يحق للمواطن العادى؟». فى انتظار من يثرى المناقشة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.