أيمن الجندى يكتب | قبر على الطريق

أيمن الجندى يكتب | قبر على الطريق

د.-أيمن-الجندى1

لم يكن يعرف حين استيقظ فى الصباح أنه سيركب الحافلة المسحورة. للاستيقاظ طعم كريه. يعنى أنك ستواجه الحياة. يعنى أن الموت لم ينتهز فرصة النوم الرحيم وينقذك من كل هذا العذاب. يعنى أنك ستستقبل اليوم الحافل بلا دروع. ماء معكر! طعام ملوث! رطوبة شنيعة! تحلق ذقنك بموس ردىء. تغمس خبزك بالطعام السمج. تخرج إلى شوارع تموج بالفقراء. تركب المواصلات المزدحمة.

الحافلة تتجه من عزبة الهجانة حيث يسكن إلى المنيب حيث يعمل. عدد الركاب لا يمكن إحصاؤهم. يماثلون عدد الأحزان فى قلبك. يتزايد عدد الركاب فى كل لحظة. ويتناقص الهواء الشحيح. ولكنك استطعت الجلوس هذه المرة وهذا حظ جيد.

لكن أحقا ما ترى! الطريق المألوف تتغير معالمه! يتحول فجأة إلى جبال وهضاب! أين ذهبت الشوارع المتربة المكتظة بالبشر؟ أين أكوام القمامة والقطط التى تشارك البشر العذاب؟ رباه! ما هذا الانفجار الذى يدوى من حوله. وقذائف طائشة تنهال من حوله، تمر الحافلة من بينها بأعجوبة. ورجال يرتدون السترات فوق الجلاليب ويتمنطقون بالخناجر والسيوف!

مال على جاره فى المقعد يسأله مرتاعا: «أين نحن؟». قال فى غير اكتراث: «داخلين أهه على المنيب». أغمض عينيه فى تعب. إذا فهو وحده يرى ما يرى! يذكره بمشاهد القتال فى اليمن بين آل الأحمر والحوثيون. هل تمر الحافلة على هناك بقوة سحرية؟ يتقاتلون فعلام يتقاتلون؟ وبلادنا ليس فيها ما يستحق القتال!.

وعاد ينظر من النافذة فوجد شوارع المنيب كعهده بها. بائسة، مكتظة، يائسة. الفقر ليس أصعب شىء. أصعب منه غياب الأمل. أن تعرف يقينا أن شيئا لن يطرأ على حالك فيجود عليك بالندى. ما يمكن أن يحدث فعلا هو أن يسوء الأمر أكثر مما هو سىء! أن تنظر من نافذة الحافلة فتشاهد شابا عادى المظهر يندس وسط جموع من النساء والأطفال ليفجرهم ويفجر نفسه على أمل دخول الجنة! يرى الانفجار الشنيع فيرتعد فى مقعده. هذه الحافلة مسحورة ولا شك. تبدأ فى عزبة الهجانة فتعرج على العراق! غريب ما يحدث ولكن أغرب منه الطيارات التى خرجت لتقصف حلب! ووجوه خرجت من كهوف التاريخ بلحى كثيفة، تجلس القرفصاء على صدر رجل آخر لتمرر السكين على عنقه! أغمض عينيه مستفظعا! رجل الكهف يمرر السكين ببطء مستلذا بالذبح، والأنسجة الرقيقة الهشة تتفجر بالدماء والأحمر يغمر المشهد.

اهتزت الحافلة بعنف وكأنها تمر على جماجم الأحباب فى طريقها إلى العدم! ومن فوقها القاذفات فى طريقها لتدمير الطائرات الرابضة فى مطار طرابلس. مليارات الدولارات تحولت إلى حطام فى غمضة عين، فأى شيطان رجيم يجعلنا نفعل ذلك بأنفسنا!

وفجأة توقفت الحافلة تماما. عادت شوارع المنيب بائسة مكتظة. من خلال الأجساد المتلاحمة شاهد رجالا يرتدون ثيابا بيضاء غريبة الشكل ويسدون الطريق. وفكر أنها الماء أو الكهرباء أو المجارى يحفرون الطريق العام، غير مبالين بتعطل مصالح العباد. وتساءل فى نفسه: «ألم يجدوا وقتا أفضل للحفر!». وطال الانتظار وخشى التأخر على العمل فنزل يستطلع الأمر. فإذا برجال يحفرون الأسفلت فى منتصف الطريق وهم يرتدون الكفن الأبيض، ثم ينزل الناس جماعات إلى الحفرة العميقة ويرقدون داخلها، بينما يهيل آخرون التراب عليهم.

تساءل وكأنما يكلم نفسه: «هل جن العالم أجمع!؟». قال الذى يهيل التراب بصوت واضح: «إنما أحفر قبرا. نحن أمة ميتة، وإكرام الميت دفنه».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.