أيمن الجندى يكتب | قصة الدكتور عصام

أيمن الجندى يكتب | قصة الدكتور عصام

د.-أيمن-الجندى1

التقت عينانا فجأة، فوجدتنى مضطرًا للتوقف. لو كنت أعلم أن الدكتور عصام ينتظر خروج ابنه من المدرسة لتحاشيت المرور بهذا الدرب أصلًا.

 

صافحنى باهتمام مؤقت، وإن ظلت عيناه تبحثان عن ابنه. لست من مؤيدى الإنجاب فى سن متأخرة. ولطالما أثار شجونى التناقض الفج بين شعر الأب الأبيض وشعر الابن الفاحم. على أن مأساة الدكتور عصام أفدح من هذا بكثير.

 

«وأخبارك إيه؟». سألنى وهو ينظر فى عينى مباشرة. قلتُ وأنا أتحاشى عينيه: «الحمد لله». وكنت أخشى أن يسألنى عن المستشفى ويفتح جراحًا غائرة!

 

التحقت بهذا المستشفى منذ عشرة أعوام كاملة. وكان الدكتور عصام مديرها. الرجل المتدين الذى يؤدى الصلاة فى وقتها.

 

كان يعمل منذ الصباح وحتى المساء. لكنه لم يكن موفقا رغم نياته الطيبة. كانت أحوال المستشفى تتدهور. ودبت الفرقة بين الأطباء والموظفين. وبدا واضحا أنه ضعيف الشخصية ولا يستطيع السيطرة عليهم. بدأ الأطفال يتقاطرون من البوابة. وفقد اهتمامه بى فهممت بالانصراف، لكنه أمسك بيدى فلم أملك إلا الإذعان له. كنت أحبه وكان يعلم ذلك. لكن حبى لم يمنعنى أن أرى أخطاءه. المستشفى تتدهور وصارت على وشك الإفلاس. والموظفون الذين استعان بهم أساءوا استخدام سلطاتهم. وحتى الدكتور فتوح الذى اصطفاه من وسط الأطباء وعينه نائبًا له كان سبب نكبته.

 

ومر طفل صغير بزى المدرسة الأزرق. ويبدو أنه كان يعرفه لأنه سأله عن ابنه، لكن الطفل لم يبال بالرد عليه. صار الدكتور فتوح نائبًا للمدير وسرعان ما أحس المستشفى بالفارق. لم يكن يعتكف فى مكتبه كدأب الدكتور عصام، وإنما تغلغل فى كل مكان، وصارت له عيون وأيادٍ كلها تتبارى فى خدمته. وفوجئنا ذات صباح برفد الدكتور عصام وتعيين الدكتور فتوح مكانه. ليس هذا فحسب، بل رفع قضية تتهمه بالاختلاس وخيانة الأمانة.

 

ما أغرب الناس! كل العاملين بالمستشفى لعنوا الدكتور عصام وأشادوا بالمدير الجديد. لم يكن الأمر يخلو من نفاق، ولم يخل أيضا من حقيقة. بالفعل كان المستشفى على وشك الانهيار، وبالفعل كان الدكتور عصام لا يصلح للإدارة. لكنه لا يستحق هذه البهدلة.

 

كنت الوحيد الذى لم يذهب إلى الدكتور فتوح ليهنئه. كانت فى قلبى غصة منه. وتذكرت احتضان الدكتور عصام له، وكيف نقله من مجرد طبيب عادى إلى نائب مدير، فهل كان هذا جزاءه؟

 

وفجأة وجدت المدير الجديد أمامى. تفاهمنا بالنظرات، فقال: «هات ما عندك». قلت بكل وضوح: «أؤيد نصف القرار وأشجب نصفه الآخر». رفع حاجبيه متسائلًا فأردفت: «الدكتور عصام ضعيف وبالفعل لا يصلح للإدارة، لكن أنا وأنت نعلم أنه ليس لصًا ولم يخن الأمانة». قال فى ضيق: «وعدناه أن ينتهى الأمر لو قدم استقالته وأعفانا من الحرج، لكنه رفض فلم نجد مفرًا من ذلك». قلتُ فى أسف: «أعرف أنه عنيد ومتصلب، ولكن كان يمكن أن يخرج بكرامة. ارفده بس ما تسجنوش. ألم تحفظ له أنه أخذ بيدك يومًا وجعلك نائبه! ولولا ذلك لظللت طبيبًا عاديًا!».

 

ونظر نحوى بكراهية، فعرفت أننى خسرته للأبد. لكننى لم أبال. كان الموقف أخلاقيًا بالنسبة لى، ولم يكن واردًا أن أخون نفسى وأبيع مبادئى. وجاء ابن الدكتور عصام وتحرك قلبى لضعفه وشيبته، ولم أجد مفرًا من سؤاله عن موقف قضيته، قال وهو ينظر إلى السماء: «ربنا موجود».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.