أيمن الجندى يكتب | لغة النور

أيمن الجندى يكتب | لغة النور

د.-أيمن-الجندى

يرتجف على سريره.. يسمع أنفاس زوجته المنتظمة.. نائمة.. فهل نام مثلها، ثم استيقظ؟ أم تراه لم ينم على الإطلاق؟ لا يعرف، ولا يهمه أن يعرف.

النور المتقطع يغمره، فيغادر السرير مأخوذا.. إنها تناديه بالأضواء المسحورة، مثلما نادته مرارا فى الأيام الخالية.. منذ عشرين عاما.. حينما كانت تطل من شرفة منزلها فى موعدهما السرى، بعد الثانية صباحا.. مثل ضوء فنار يرشد السفن التائهة إلى الشواطئ الآمنة.. لكن سفينته بالذات وقعت فى عشق الفنار وغموض الأضواء المتقطعة.

وقتها كان يعرف حضورها بالغريزة.. ببهجة الضياء تغمر روحه.. يشعر بحضورها الليلى فى شرفتها، فيخرج مسرعا إلى شرفته، فيجدها.. كل مرة يجدها.. لم تخدعه لغة الضوء مرة واحدة.

ترشد سفينته.. تغمره بالوصل.. يتواصلان بالصمت، يتعاهدان بالنظرات، يستنشقان هواء الليل معا.. يستحمان فى الضوء حتى الفجر.. وقتها تختفى تماما حتى موعد لقائهما التالى.

جاءه النداء الغامض بعد عشرين عاما من الإظلام التام.. إشارات الضوء غمرته، وأيقظته.. عشرون عاما فى وادى الظلام!!.. السفينة تتحرك نحو الميناء القديم.. أخشابها قديمة وصواريها متآكلة، وأعلامها منكسة، لكنها تشعر بالحنين.. إنها هناك.. تنتظره فى منزلها القديم ذى الطابقين المواجه لشرفة منزله. اختفى ضوء الفنار منذ عشرين عاما.. قيل وقتها إنها ذهبت للأبد، وقيل وقتها إنها لن تعود. وقيل وقتها إن سفينته ضلت فى البحار المظلمة، بعد أن فقدت فنارها الوحيد. قالوا وقالوا، ولكن مهما قالوا إن بهجة الضياء لن تعود يوما، فقد ظل ينتظر النداء القديم.

واليوم تعود. لغة النور تعود. الأضواء الباهرة المتقطعة، إنها هناك. حبيبته.. تناديه.

يغادر بيته بلا تردد..هل ارتدى ثياب الخروج، أم يسير بمنامته؟ لا يهم. هل ارتدى الحذاء، أم يسير حافيا؟ لا يهم. يخوض فى ظلام الطرقات الخالية.. يقتحم عمق الليل. لا يشعر بقدميه، أم أن قدميه هما اللتان لا تشعران به؟!. نباح الكلاب يسمعه، ولكنه لا يخيفه. ما يخيفه هو الفراق فقط. لذلك يسير.

بيتها يقترب.. بيتها الجميل! بيتها الحبيب! هناك فى آخر الدرب الضيق الذى لم يطرقه منذ عشرين عاما.. منذ أن كف الفنار عن غمره بالضوء. منذ أن خرست لغة النور.. بيت قديم مكون من طابقين..عامود النور مطفأ، كما هى العادة. وإذا كانت موجودة، فلماذا يضىء؟

يلهث طلبا للهواء.. يعب الهواء عبا.. يرفع ناظريه واثقا أنها هناك.. فى الطابق الثانى هناك.

لكن البصر يرتد خاسئا، يرتفع أمام بناية شاهقة الارتفاع.. طابق أول.. طابقان.. الطابق الخامس.. عشرة طوابق!

يتضخم كل شىء حتى الأحزان.. ويزول كل شىء إلا الأحزان.

تنكفئ السفينة العجوز، تنخرط فى البكاء.. تبكى الأخشاب القديمة والمسامير الصدئة والقلوع المنكسة، ويبكى البحار العجوز.. ويتكدس الظلام..

يتسرب الماء المالح عبر الشقوق، وتستقر السفينة العجوز فى قاع البحر.. يراودها أمل باهت أن تجد فنارها القديم هناك.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرىاليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.