أيمن الجندى يكتب | مقلب قمامة

أيمن الجندى يكتب | مقلب قمامة

د.-أيمن-الجندى1

اعتاد سكان الحى أن يستخدموا قطعة الأرض الفضاء التى يملكها عم ماهر كمقلب قمامة. وبرغم أنه كان يعيش فى شبه فاقة بسبب معاشه الضئيل، فإنه كان يرفض كل محاولات الشراء لقطعة الأرض. وكان يلذ له الحديث عن المرحوم والده الذى اشتراها بعشرة جنيهات، وكاد يبيعها حين وصل ثمنها إلى عشرين جنيهاً. فماذا لو باعها اليوم وتضاعف سعرها العام القادم؟! وكان محدثه يحدجه بنظرة غريبة وكأنه يقول له: « يا راجل بعها وتمتع بثمنها قبل أن تصبح فى القبر؟».

 

 

هم لم يفهموا أن عم ماهر يجد لذة فى احتفاظه بقطعة أرض تفوق بهجة المال بمراحل. وكانت أكوام القمامة تجعله يطمئن، وكأنها الخرزة الزرقاء التى تحميه من الحسد.

 

 

المشكلة بدأت حين راحت القمامة تتعفن فى مكانها، وتفوح منها رائحة شيطانية مؤذية. وتعاهد بعض شباب الحى المفعم بالطاقة على تنظيفها وتحويلها إلى حديقة. وبالفعل استأجروا (لودراً) بقروشهم القليلة وأنفقوا معظم الليل فى تنظيفها وإزالة القمامة عنها. ولم ينبلج الصبح ويستيقظ سكان الحى إلا ووجدوا مكانها حديقة غناء تشهق بالروعة والأمل.

 

 

تباينت ردود أفعال سكان الحى. معظم السكان أثنوا على الشباب وأمطروهم بالمديح وقد استجابت قلوبهم لإرادة الإصلاح وفطرة الجمال المبثوثة فى نفوس البشر. والبعض تساءل بشكل عملى عن مكان القمامة الجديد، فتعهد الشباب الذين أسكرتهم لذة الإصلاح بوضع حاويات ضخمة مغلقة عند منعطف كل شارع. عصافير الحى والأحياء المجاورة هى الأخرى أدلت بدلوها؛ إذ تجمعت من كل حدب وصوب وراحت تغرد بصوت عذب فى أرجاء الحديقة.

 

 

الوحيد الذى راح يرتجف من الغضب هو عم ماهر! « كيف تجرؤون على المساس بقطعة الأرض التى أملكها؟». وعبثاً حاولوا أن يُفهموه أنه خير له أن تصير حديقة من أن تكون مقلبا للقمامة، وحين لم يجد منطقاً انصرف غاضباً.

 

 

ويوماً بعد يوم صارت الحديقة تنمو. ابتاع الموسرون مراجيح، ووضعوا بعض المقاعد. وأصبح الأطفال يعودون من المدرسة بسرعة لكى يستمتعوا بالمراجيح. واعتادت الأمهات المنهكات فى رعاية الأطفال المجىء لاستعادة قواهن المتعبة. وكان أروع ما فى الحديقة أنها صارت دليلاً عملياً على سهولة الإصلاح لو صلحت النية.

 

 

وجاء الربيع لينفث سحره فى جنبات الحديقة. ونما العشب الأخضر الرقيق وكأنما بتعويذة سحرية. وجاءت العصافير تطوف حول المكان وتزقزق فى بهجة. والأزهار تطل من خلال العشب الأخضر وتضحك.

 

 

كل هذا كان قاسياً على عم ماهر الذى تقطع نومه وساء مزاجه لدرجة أن زوجته صارت تتجنب الحديث معه؛ حتى تسلل فى الظلام بعد أن اكتهل الليل حاملاً قمامته، ومبعثراً قمامة الحى كله فى جنبات الحديقة.

 

 

واستاء شباب الحى الذين عرفوا لذة الإصلاح. ورتبوا أن يراقبها بعضهم أثناء الليل، لكن عم ماهر كان يحسن الخفاء ويملك الوقت بعكس الشباب الذين كانت لهم أعمالهم فى الصباح الباكر، وهكذا لم يكن ممكناً الاستمرار فى العسس إلى ما لا نهاية.

 

 

ثم تسلل الملل فى النهاية وعدم الاكتراث. وتناثرت عبارات من قبيل: «سعد باشا قال من زمان مفيش فايدة». ثم رأى بعض السكان أنه لا بأس من وضع قمامتهم أيضاً طالما توجد فى جميع الأحوال قمامة. ووجد البعض لذة فى الاستسلام لليأس وإثبات أن الإصلاح محال! ويوماً بعد يوم راحت ملامح الحديقة تندثر وتعود سيرتها الأولى.

 

 

واستراح عم ماهر تماماً…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.