أيمن الجندى يكتب | يوميات مصرى

أيمن الجندى يكتب | يوميات مصرى

د.-أيمن-الجندى1

لم تكن زوجته فى البيت عندما استيقظ، ولا حين أدار التليفزيون فوجد الريسيفر معطلا. تفقد الجهاز فوجده متصلا بالكهرباء. تحقق من الوصلات فوجدها سليمة. إذاً فالعطل من السطح بالتحديد. تباً.. هذا معناه أنه سيضطر للاستعانة بأحد الفنيين وأنهم سيسرقونه.

انتظر قدوم الفنيين كمن ينتظر الذبح. بعد قليل جاءه شابان تبدو عليهما السعادة والاستبشار. ذهبا إلى السطح ثم عادا زاعمين أن هناك قطعة تالفة والسلك يلزم تغييره. نظر إليهما مرتاباً فقابلاه بعينين ضاحكتين. وافق صاغرا فصعدا إلى السطح بسرعة قبل أن يغير رأيه. هناك على الأرجح وصلة مفكوكة من الممكن إصلاحها بعشرة جنيهات. أنت محتاج إلى قديس كى يستطيع أن يقاوم هذا الإغراء وقد ولّى زمان القديسين!

ولكن لماذا ذهبت زوجته وتركته يُجزر بالسكين! آه لقد أخذت الطفلين إلى طبيب أطفال زعموا أنه جيد. مصيبة والله! ليس أن يمرض الطفلان طبعا، فلابد أن يمرض الجميع، ولكن أن يبالغ الطبيب فى الأجر ويأخذ ثلاثين جنيها مثلا. على الله تأخذه مصيبة لو فعل ذلك! الكارثة أن ضرسه محتاج أيضا للحشو! رباه ما للمصائب لا تأتى فرادى؟! من أين يحصل على المال الذى يكفى هؤلاء جميعا؟ فلتأخذه مصيبة ويستريح.

وعاد الشابان ليتحدثا عن السلك المهترئ! وكيف اضطرا إلى تغيير قطعة غامضة! وراحا يقسمان أنهما أنقذاه من هلاك محقق! بينما شرع يرمقهما فى تعاسة منتظرا النطق بالإعدام. قال أكبرهما: السلك بأربعين جنيها، والقطعة بأربعين جنيها، وأجرتنا ستون جنيها والمجموع مائة وأربعون!

وساد الصمت قليلا قبل أن ينفجر! وتهدج صوته وهو يحكى عن السرقة العلنية وانهيار الضمير. وراحا ينظران إليه بعينين ضاحكتين وفى النهاية انصرفا وقد اقتطعا من لحمه الحى مائة وعشرين جنيها.

وارتفع صوت التليفزيون جنائزيا، حتى إنه أغلقه بلا تردد. وذهب إلى الحمام لا ليقضى حاجته، ولكن ليتأوه فى صوت مسموع. بعد قليل عادت زوجته وعلى وجهها سيماء البهجة، وفى صحبتها الطفلان. واندفعت تحدثه فى حماسة عن تشخيص الطبيب، لكنه قاطعها بسؤال واحد:« بكام؟». نظرت إليه فى حذر، فأدرك من نظرتها أنه قد وقعت مصيبة. قالت وهى تبتعد عنه: «لقد فوجئت أن كشفه مائة وخمسين جنيها، وبالتالى فإن كشف الطفلين معا ثلاثمائة جنيه».

وساد صمت جنائزى أشد من حزن الثكلى حين تكتشف أنهم فرموا ابنها وحولوه إلى كفتة ثم أطعموها «ساندويتش». وبالقطع لم يكن حزنها أشد من حزنه حين عرف أن الملعون أخذ منه ثلاثمائة جنيه.

هذه المرة لم يملك القدرة على الغضب، كان حزنه عميقا إلى الحد الذى فقد القدرة على الكلام. وشرع يتصور كم يكسب هذا الطبيب اللص، فلنفرض أنه قد جاءه خمسون مريضا فى اليوم الواحد. اضربها فى مائة وخمسين جنيها! آه آه.

المصيبة أن أولاد الحرام يتظاهرون بالتقوى وبالحزن على حال البلد ويتباكون على سوء الأخلاق والاستغلال. إنه لا يلومهم ولو كان مثلهم لصنع صنيعهم بلا تردد. المشكلة أنه موظف غلبان.

حينما حان موعد ذهابه لحشو ضرسه فإنه لم يتردد فى الذهاب إلى أرخص مستوصف تحت السلم. وعندما عرف أن حشو الضرس لن يتكلف إلا أربعين جنيها فقط، فإنه جلس بسعادة مستسلما لإبرة البنج وهى تخترق أنسجته، غير عالم أن هذه الحقنة الملوثة سوف تنقل له عدوى الالتهاب الكبدى بعد شهور.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.