أيمن الجندى يكتب | 3 فبراير

أيمن الجندى يكتب | 3 فبراير

د.-أيمن-الجندى1

استيقظ من سباته فجأة شاعرا بوجود كثيف فى غرفته. استعاد اليقظة ببطء معتدلا فى فراشه والخوف يأخذ قلبه. وهناك رآهما. يجلسان فى هدوء واثق. قال وهو يشعر أن روحه تخرج مع أنفاسه: «من أنتما؟ وكيف دخلتما إلى هنا؟».

وساد صمت. صمت أشبه باللغة. صمت واثق مسيطر مطمئن. ثم رد أحدهما فى صرامة: «جئنا هنا لنسألك. لا لتسألنا».

وانكمش فى جلسته على الفراش محتشما، وقد داخلته هيبة. قال أحدهما بنبرة عالية نسبيا: «قل لنا ماذا فعلت فى ٣ فبراير»

قال متلعثما: «ماذا فعلت يوم ماذا؟». رد فى نبرة تحمل ضيقا خفيا: «٣ فبراير». قال فى بساطة: «لا أذكر».

نظرا إليه نظرة أفزعته. وكأن هذه الإجابة غير مقبولة تماما! قال وقلبه يغوص من الذعر: «أقسم لكما لست أذكر».

وعاد أحدهما يقول: «ماذا فعلت فى ٣ فبراير؟». نظر إليه عاجزا عن الرد.

قال فى شبه توسل: «سيدى. نحن اليوم فى.. (وتلعثم قليلا قبل أن يتذكر) فى أول أغسطس. فكيف تطلب منى أن أتذكر أحداث يوم بعيد مثل ٣ فبراير؟». وضحك ضحكة مبتورة، لكن نظرة منذرة فى عين سائله حذرته من التمادى.

«سيدى.. (قالها متوسلا) أخبرنى عن التهمة الموجهة إلى وتأكد أننى سأدفعها». قال فى غموض مخيف: «التهمة تتشكل الآن وهى أنك لا تتذكر ما حدث يوم ٣ فبراير». قال فى دهشة: «وهل هذه تهمة؟». رد فى خطورة: «تهمة خطيرة جدا. أنصحك أن تأخذها بجدية». رد فى يأس: «رباه. لا يوجد شىء عادى حدث فى ذلك اليوم على ما أذكر». رد سائله بانزعاج: «لا تتفوه بهذه الكلمة ثانية أبدا. لا يوجد يوم عادى». رد فى ذهول حقيقى: «لست أفهمك». قال فى صرامة: «قلت إنك المسؤول لا السائل». رد فى رعب: «حدث فى ذلك اليوم وسأثبت لك أننى غير مسؤول عنه». عاد يقول فى صبر نافد: «ماذا فعلت فى ٣ فبراير الماضى؟ ثق أن حياتك متوقفة على الرد».

قال فى رعب وهو يحاول أن يعتصر ذاكرته: «لو أعرف فقط أى يوم هو. بالتأكيد لا شىء غير معتاد. استيقظت. احتسيت الشاى والقهوة. خرجت إلى عملى. عدت. شاهدت التليفزيون قليلا. أكلت. نمت. ربما خرجت قبلها وربما لم أخرج».

قال السائل وقد بدا عليه عدم الاقتناع: «هذا برنامج ينطبق على جميع الأيام. إنك لا تجعل لليوم شخصية محددة». رد فى شبه توسل: «إنه يوم كسائر الأيام، يوم عادى».

وللمرة الأولى نطق الكائن الثانى الذى ظل صامتا طيلة الحوار. قال فى غضب عارم وكأنما سمع تجديفا لا يمكن احتماله: «يوم عادى؟! أتقول: يوم عادى؟.. يدور الكوكب الأرضى حول نفسه ليواجه الشمس وتقول: يوم عادى؟.. تصطبغ الأفق بملحمة الشروق وتقول: يوم عادى!.. تشقشق العصافير فرحا بالحياة وتقول يوم عادى! تطير الفراشات فوق الأزهار بمغناطيس خفى! تستيقظ الهررة، ينبح الجرو فى سرور، تتمايل أغصان الأشجار، يمتص العشب قبلات الشمس، يمتد الظل وينحسر، تقطع الشمس رحلتها فى الأفق، يرق نسيم الأصيل، تحتفل الكائنات بالحياة، وتصف اليوم الثمين أنه يوم عادى».

وساد الصمت وشاهدهما يتفاهمان بالنظرات، ثم قال أحدهما بلهجة نهائية وهو يتجه نحوه فى بطء مرعب:

«الآن تستخف بالحياة. لذلك قررنا أنك لا تستحقها».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.