أيمن الجندي يكتب | مسعد

أيمن الجندي يكتب

مسعد

د.-أيمن-الجندى1

أنقذ «مسعد» حياتى. ليس هذا فقط، بل خاطر بحياته أيضا من أجلى. مسعد النصاب! الذى لو صافحته، فإننى أقوم على الفور بعد أصابعى!

عرفته لأول مرة وأنا أصلح سيارتى عند الميكانيكى. نحيف القوام، متوسط الطول، عيناه ثعلبيتان لا تلتقيان بعينيك أبدا. وهو من النوع الذى يحلق شاربه من أعلى، مما يضفى عليه سمت النصاب الظريف. تطوع للذهاب معى لشراء قطعة غيار مستعملة غير متوافرة بالأسواق. ووجدته يتهامس مع البائع المريب، ثم أمرنى بدفع مبلغ أكثر مما أتصوره. وبينما كنا نبتعد قال بلهجة ذات مغزى: «حارجع لك كمان شوية». فشعرت بالخديعة والدهشة معا، لأنه كان يمكن بوسعه أن يعود بهدوء ويتقاسم معه، دون داع لهذه الحوارات المفضوحة. فيما بعد علمت أنه لا تكتمل متعته إلا حين تدرك الضحية أنه نصاب، فيحاول أن يأخذ حذره. ثم يستطيع رغم الحذر أن يخدعه.

منذ ذلك الحين كنت أشاهده باستمرار. ورغم أننى لم ألجأ إليه يوما إلا خدعنى فقد كنت أستظرفه. وعرفت عنه أشياء كثيرة متناقضة. قيل لى إنه صنايعى ماهر، وبوسعه أن يكسب رزقا وفيرا، لولا أنه يفضل الكسب الملتوى على العمل الشريف، حتى كان عائد العمل الشريف أوفر! وحكى لى مرة أنه باع سيارة بضعف ثمنها. وحين استفظعت الأمر قال وهو يبتسم ابتسامته الماكرة: «إذا كان هناك مغفلون، فمن البلاهة أن تتورع عن خداعهم». وكان يحب أن يكذب الكذبة المفضوحة، فإذا لاحظ أننى لم أصدقه ضحك فى سرور. إذ إننى لو صدقته لضاعت متعته.

هذه الليلة كنا فى طريق مظلم ملتوٍ إلى كهربائى أخبرنى أنه الوحيد القادر على إصلاح تكييف سيارتى الذى أعيانى إصلاحه. ولم تكن الأمور قد استقرت بعد لظروف مصر المعروفة. ووجدتنى فى دروب ترابية ملتوية وأحياء عشوائية على هامش المدينة لم أكن أتخيل وجودها. وسقط الظلام علينا، فلعنت بلاهتى التى جعلتنى تحت رحمة هذا الشيطان الذى يبدو أن نهايتى على يده. وجعلت أفكر فى حوادث قطع الطريق المنتشرة بشدة هذه الأيام، ويبدو أن التفكير فى أمر ما يجعله يتحقق. إذ وجدت جذعا خشبيا يسد الطريق، ورجلين يبدو عليهما الشر يأمراننا بمغادرة السيارة.

خرجنا من السيارة، وقد نويت مسبقا ألا أستفزهما، وأعطيهما ما يريدان بغير مقاومة. كان الظلام قد سقط تماما على تلك البقعة المنعزلة. كنت فى شدة الرعب، بينما كان مسعد شجاعا ثابتا فى موطن الخطر، على ما به من انحطاط خلقى. ووجدته يتحدث إليهما فى هدوء أصابهما بنوع من الاسترخاء. ثم أمرنى بإخراج كل معى. ولم أستطع أن أمنع نفسى وقتها من التفكير فى أنه استدرجنى. وأنه أحضرنى لهذا المكان عمدا ليسرقانى، ثم يقتسم معهما. لكن لم يكن عندى خيار آخر. وأدخلنى مسعد السيارة، وراح يمزح معهما. ثم فجأة انقض عليهما، واستعاد أشيائى رغم صراخى ألا يفعل. ثم فر بالسيارة مستعينا بالمفاجأة.

قال وهو يبصق من النافذة المفتوحة: «يلّا يا ولاد الكلب». ونظرت إليه فى ذهول وهو يعيد لى أشيائى كاملة، رافضا بإباء أى مكأفاة. وعند فنى التكييف عادت له طبيعة النصاب. وتنهدت وأنا أفكر فى غرابة النفس البشرية حين وجدته يتهامس معه، ثم أمرنى بدفع مبلغ كبير، متعمدا أن أسمعه وهو يقول له: «حارجع لك كمان شوية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.