إبراهيم عيسى يكتب | القطار ينطلق من المحطة

إبراهيم عيسى يكتب | القطار ينطلق من المحطة

ابراهيم-عيسى

الاختلاف فى المجتمعات غير المؤهَّلة له يصبح خلافًا، والتساؤل الملحاح من ناس قلقة ومرتبكة وفزعة يتحوَّل إلى حيرة، والحيوية المفرطة فى مجتمعات متيبِّسة تقلب على تشوّش ولخبطة ممكن تعطّل وتعوق فعلأً، ثم ممكن تجعلنا نمشى فى الغلط، عمومًا هذه ليست المرة الأولى التى تعيش فيها مصر هذه الحالة (كل تجارب الدنيا فيها مثل هذا خلال فترات فى حياتها)، وهو مشهد تكرّر فى مصر منذ خمسة وعشرين يناير ويوشك فى ظنّى أن يبدأ فصل نهايته خلال أسابيع.. كيف؟

سأعود إلى مَثَل عُدت إليه من قبل، لكن متأمّلأً الآن كم هو دقيق وناجح وناجع فى فهم المسار الذى مَشَت فيه البلد خلال السنوات الثلاث الماضية. حكيم عظيم مثل توفيق الحكيم لخَّص هذه المرحلة من أسئلة الحيرة وحيرة الأسئلة فى مسرحية رائعة بعنوان (رحلة قطار) ضمن كتابه (رحلة الربيع والخريف)، المسرحية التى كتبها فى الخمسينيات بعد ثورة يوليو تحكى عن سائق قطار ومساعده الوقاد (أى الذى يوقد الفحم الذى يشتغل به القطار أيامها قبل البخار) وقد أراد السائق أن يتأكَّد من أن الإشارة التى يراها أمامه وهو يقود القطار خضراء، حتى يكمل زيادة سرعة القطار، فسأل مساعده الوقاد الذى ردّ..

الوقاد: الإشارة حمراء.

السائق: نحن فى ميعادنا.. لا بد أن تكون السكة مفتوحة.. انظر جيدًا.

الوقاد: نظرت جيدًا.. وها أنا ذا أعيد النظر جيدًا.. (ينظر جيدًا) الإشارة حمراء.

السائق: مستحيل!

الوقاد: انظر بنفسك.

السائق: طبعًا.. لا بد أن أنظر بنفسى.. (ينظر) أنت أعمى.. إنها خضراء.

الوقاد: خضراء؟!

السائق: مثل البرسيم الأخضر.. والسكة مفتوحة على ما يُرام.

الوقاد (يعيد النظر): شىء عجيب.. ولكنها أمامى حمراء.. حمراء مثل شعلة النار.. مثل عين العفريت.

السائق: إنها عينك أنت!

الوقاد: بل هى الإشارة.

السائق: الإشارة خضراء يا أعمى.. افتح عينك جيدًا وانظر.

الوقاد (ينظر مدققًا): سبحان الله! نظرى مع ذلك سليم.. ستة على ستة.. حمراء.. والله العظيم حمراء.

السائق: أتريد منى أن أعتمد على نظرك أنت!

الوقاد: لا طبعًا.. أنت السائق المسؤول.. لكن إذا اتّضح أنها حمراء فعلأً.. وأن السكة مقفولة فعلأً لخطر فى الطريق.. فإنك ستُسأل عن أرواح خمسمئة راكب!

السائق: وإذا اتّضح أنك أنت الأعمى؟!

(السائق يقوم فى الحال بوقف القطار.. ثم ينزل من القاطرة يتبعه الوقاد.. ويعاودان النظر مرة بعد مرة بكل إمعان).

الوقاد: النظر من الأرض أثبت.. مرة أخرى أراها حمراء.

السائق: لم يبقَ عندى شك فى أنك عميت.. النور الأخضر فى أعلى السيمافور يتألّق على أشدّه!

(يظهر أحد الركاب آتيًا من جهة العربات، زيّه ينُم عن فنان.. وبالأخص موسيقِى.. يحمل فى يده حقيبة صغيرة).

الموسيقِى: لماذا توقّف القطار؟!

السائق (كمن هبطت عليه فكرة): اسمع يا حضرة.. سؤال بسيط من فضلك: هل تستطيع أن ترى سيمافور الإشارات هناك؟

الموسيقِى: هناك؟

السائق: ما لون هذا النور؟

الموسيقِى: لونه أخضر.

السائق (فى فرحة): ينصر دينك! أخضر.. لونه أخضر.. قُل لهذا الأعمى.

الوقاد لـ(الموسيقِى): أهو أخضر أم أحمر؟!

لا يطمئن كلاهما إلى الراكب، فيسألان راكبًا آخر، فيؤكِّد أن الإشارة حمراء، ثم ينزل جميع الركاب لنكتشف أنهم اختلفوا معًا حول الإشارة حمراء أم خضراء.

وزاد الخلاف والتوتر والشلل.

إذن فى وقت مثل هذا ومرحلة مثل تلك سأل المصريون أنفسهم نفس السؤال: إحنا رايحين على فين ونعمل إيه بالظبط؟

داخ مَن داخ وتلخبط مَن تلخبط وتكعبل مَن تكعبل أمام هذا السؤال بعد ثورة يوليو 1952، وها هم أولاء الدائخون المتلخبطون المتكعبلون!

توفيق الحكيم الأديب الرائد والمعلم الكبير لخَّص لنا مشكلة هذا الشعب حين يحتار فى الاختيار بعد الثورة وخلال المراحل الانتقالية بهذه المسرحية (رحلة قطار)، السائق يختلف مع مساعده هل الإشارة حمراء ليقف القطار أم خضراء ليمر، ولأن هذا الاختلاف يودّى فى داهية، فقد بدآ (السائق ومساعده) سؤال ركاب القطار، والمذهل أنهم اختلفوا أيضًا، ناس تقول حمرا وناس تقول خضرا، بعد جدل وقلق قرر السائق مع مساعده المشى عدة كيلومترات حتى كشك السيمافور لمعرفة الحقيقة وإخبار الركاب بها.

الجميع (صائحين): خيرًا؟!

السائق: لا شىء.

الجميع (فى دهشة): لا شىء؟!

الوقاد: نعم، لا شىء.

الجميع: ماذا تقولون؟!

السائق: لا يوجد شىء.

الجميع: لا يوجد شىء هناك؟!

السائق: لا يوجد كشك.

الوقاد: لا يوجد سيمافور.

السائق: لا توجد إشارات.

الوقاد: لم نجد أى عامل ولا موظف.

الجميع: (فى دهشة) ما هذا الكلام؟!

السائق: هذا ما وجدناه.

الوقاد: هذه هى الحقيقة.

السائق: وجدنا بالطبع الكشك ولكنه..

الوقاد: ولكنه مهجور.. ونوافذه مهشّمة.

السائق: عاصفة الأمس حطّمته.. إنه أنقاض.. مجرد أنقاض. الجميع: مجرد أنقاض!

الوقاد: والسيمافور كذلك.

السائق: جرَّفته العاصفة.. وألقت به على الأرض.. وهشَّمت مصابيحه.

الجميع: هشَّمت مصابيحه؟ إذن.. إذن..

راكب: إذن لم تكن هناك إشارات؟

السائق: ما دام السيمافور لا يعمل.

راكب: لم تكن هناك ألوان إذن؟

الوقاد: ما دامت المصابيح مهشّمة.

راكب: وكيف رأينا إذن اللون الأحمر؟

راكب: الأخضر؟

السائق: اسألوا أنفسكم!

الجميع لـ(السائق): وأنت؟

السائق: أنا أيضًا أسأل نفسى من ساعتها.

الجميع لـ(الوقاد): وأنت؟

الوقاد: مثلكم جميعًا.

راكب: كيف رأينا تلك الألوان إذن؟

راكب: هذا هو الشىء المحيّر.. والنتيجة الآن؟

السائق: النتيجة.. أنه ما دامت لا توجد إشارات معينة فمعنى هذا أن السكة مفتوحة.

الوقاد: ولماذا لا نقول العكس.. إنه ما دامت لا توجد إشارات تفيد الأمان فالسكة مقفولة؟

السائق: اسمع.. أنا لم أعد مستعدًّا لاستئناف المناقشات من جديد، ما دمنا تحقّقنا من عدم وجود إشارات أمامنا فالطريق إذن حر.. ويجب أن نسير.

الوقاد: ومَن أدرانا؟ ربما العاصفة قد سدَّت الطريق أمامنا.

السائق: لا تنسَ أن الإكسبريس قادم من خلفنا.

راكب: أنا من رأيى الوقوف والانتظار.

السائق: الوقوف والانتظار حتى يدهمنا الإكسبريس؟

يجب أن نتحرّك فى الحال.

الوقاد: فى تحرّكنا مجازفة.

السائق: وفى وقوفنا أيضًا مجازفة.

(تختلط كلمات السير والوقوف فى أفواه الجميع اختلاطًا مزعجًا تقابله عن بُعد أصوات الغناء والرقص فى العربات وينتج عن ذلك كله صخب جنونى).

طيب والحل؟

الحل كما طرحه الحكيم فى مسرحيته هو ربما ما جرى حرفيًّا فى عصر 52.

السائق: (فجأة يصرخ ويصفّر ويحرّك ذراعيه كالقاطرة السائرة) تريك تراك تريك تراك تريك تراك تريك تراك تريك تريك تريك.

الجميع (ملتفتين إليه): انظروا! انظروا! ماذا يفعل؟!

(السائق يقفز إلى القاطرة ويطلق صافرتها طويلأً.. إيذانًا بالسير، وعندئذ يهرع الجميع بحركة غريزية يتسلقون القطار)..

وينزل الستار.

لا بد من قائد يقرّر ويبادر باختيار طريق يخوضه ويسير وراءه مَن يريد، علمًا بأنه قد يكون الطريق الخطأ، لكنه الطريق الذى له قائد ولديه حلم!

هذا حل توفيق الحكيم، وهذا هو الحل الحكيم.

 

 

 

 

 

 

المصدر:الدستو ر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.