احمد الدرينى يكتب | أحمد الدروي..ما نحتاج أن نعرفه عن أمن الدولة!

احمد الدرينى يكتب | أحمد الدروي..ما نحتاج أن نعرفه عن أمن الدولة!

أحمد-الدريني

مكاتب ضباط أمن الدولة “المنحل” متشابهة لمدى بعيد، بل لها نفس الرائحة تقريبا.

لنكن أكثر تحديدا، أتكلم هنا عن مكاتب الضباط المختصين بمتابعة النشاط الديني، وعن مكاتب مدراء المعتقلات من ضباط أمن الدولة (حيث احتككت كثيرا).

دوما هناك مكتبة خلف مكتب الباشا، تضم كتب ابن تيمية وابن القيم ورشيد رضا وسيد قطب، وباقي السلسلة المعروفة، بالإضافة لكم مهول من شرائط الكاسيت والسي ديهات ذات المحتوى الديني.

لا تحتاج لجهد كبير حتى تدرك أن الضابط جمعها من منازل “معتقليه” أو من زنازينهم، فضلا عن كونها تعبر عن مكتبات مجمعة، من أفراد ينتمون لتيارات إسلامية متباينة بل ربما متصارعة.

احتككت كثيرا بضباط جهاز أمن الدولة..

5 ضباط تحديدا، دارت بيني وبين 4 منهم نقاشات مكثفة، وواحد استمعت فقط لآرائه دون أن يكون عندي ترف السؤال والنقاش والرد. وبالطبع كلها مرات لم تكن لطيفة على الإطلاق، جرت في ظروف لا يود الواحد منا استرجاعها مرة أخرى.

(2)

أبرز ما لفتني في هذه النقاشات، أن عددا كبيرا من الضباط كانوا متدينين على نحو أو آخر..أو فلنقل: يحرصون على الصلاة، ويتحدثون كثيرا عن أحكام الشريعة، ودور “ولي الأمر” في حفظ الأمن.

كل مرة لم أكن أشعر أنني أجالس ضباطا من جهاز شرطي أمني يعتمد في فلسفة إنشائه، وفي تنفيذه لأهدافه على “القانون الوضعي”..لقد كانوا بالأحرى يخترعون قانونا آخرا، يبدو أقرب ما يكون لـ”ابن عم الشريعة”!

كانوا يوفقون بين الكثير من الآراء الفقهية والوقائع التاريخية التي تبرر عملهم، بل كانوا يذهبون إلى نقد التيارات الإسلامية التي يلاحقونها ويطاردون أفرادها، وفقا لقراءات فقهية مغايرة لما تعتقده هذه التيارات.

لم يكن الأمر أمنيا بقدر ما بدا لي دينيا، يعتقد فيه الضباط أنهم يذودون عن حياض الدين ويحرسون صحيح الشرع القويم!

كانوا يرتدون “عمامة الإمام مالك” ويفندون التيارات الإسلامية ومعتقداتها كما لو كان الضباط أبناء فصيل إسلامي آخر يتنافس مع هذه الفصائل على قلوب وعقول الجماهير، لا تخفى نبرة الغيرة في حديثهم، ولا تتوارى “فنيات” المآخذ التي يلاحظونها على هذه الجماعات!

بل كان بعض الضباط ينشط في اتخاذ إجراءات خارج إطار القانون، وبصورة عرفية، كي يحفظ أمن منطقة أو بلدة بعينها (وفقا لوجهة نظره)، وحين أواجهه بمخالفته الصريحة للقانون وبإعماله لرأيه الشخصي، كان يعتبر أن تصرفه يندرج تحت لافتة “التعزير” التي يخول لولي الأمر أن يقاربها وفقا لرأيه الشخصي.

(3)

لابد أن أتذكر كل هذا مع الخبر الصادم عن ضابط أمن الدولة السابق أحمد الدروي الذي انتهى به الحال قياديا في تنظيم داعش، بعدما كان من المؤكد أنه لو استمر في عمله، فلربما كان الآن يقوم بتعذيب واستنطاق ذوي الصلات بداعش!

لم تصدمني قصة الدروي بصورة شخصية، بل لقد كنت أتفهمها تماما.

برأيي الشخصي، فإن العلاقة النفسية المركبة التي نشأت بين ضباط جهاز أمن الدولة وبين التيارات الإسلامية على مدار العقدين الأخيرين، انتهت إلى نتائج لم تكن في الحسبان بالمرة.

فعلاقة السجان والسجين، والضحية والجلاد هي واحدة من أعقد العلاقات البشرية التي سعت نظريات كثيرة لاستيعابها، فتم إنتاج تفسيرات من قبيل “توحد الضحية والجلاد” و”متلازمة ستوكهولم” …..

لكن هذه النظريات_وفق ما تيسر لي الاطلاع عليه_ لم ترصد الاتجاه العكسي في العلاقة.. وهو مدى تأثر الجلاد نفسه بالضحية، أو تمثله للضحية أفكارا ومصطلحات في لا وعيه!

قال لي أحد الضباط في لحظة صراحة: لقد كان ضباط أمن الدولة خائفين في قرارة أنفسهم ولا يعرفون مدى صحة ما يفعلونه، لذا كان كثيرون منهم يواظبون على الصلاة طلبا للأمان النفسي، ومحاولة للشعور أنهم في جانب الله!

وربما هنا كان منشأ بذرة التدين لأغراض نفسية وقائية، التي اضطرت الظروف ضباط أمن الدولة للجوء إليها.

فلم يكن تدينهم أكثر من مجرد غطاء نفسي يسعى لامتصاص الاضطراب الداخلي الناجم عن ممارسة دور الجلاد دون وجود مبرر كاف في أغلب الأوقات لكل هذا العنف.

وهنا أود توضيح شيئين مهمين..

أولا: لا أقول إن جهاز أمن الدولة كان جنة من المتدينين، أو أن كل ضباطه تأثروا بأفكار المعتقلين الإسلاميين، بل أقول إنه وبوضوح كانت هناك سمة عامة “متنامية” بين الضباط تدفعهم للظهور بالمظهر الديني، لتبرير آرائهم على أرضية دينية. وأن هناك تفاعلا ما جرى بين الطرفين وفي الاتجاهين معا وليس في اتجاه واحد فحسب.

ثانيا: وهي أكثر تعقيدا من “أولا”، إذ أنني لا أملك آلية تقييم جازمة حول هذا “التدين”، ونسبة “النفسي” إلى “الروحي” فيه. فليس لأحد أن يحكم على أحد أو أن يفسر سلوكه الديني على محمل بعينه، إذ إنها علاقة بين الإنسان وربه، حتى لو بدا عليها الخلل والاضطراب بالمعايير المتعارف عليها في أدبيات الطب النفسي.

غير أنه ما بين الملاحظة الأكيدة، والاستنتاج الحائر.. أرى الدروي كامنا بين السطور.

الدروي برأيي، مهما بدا لطيفا ووسيما وديمقراطيا في الفيديوهات التي ظهر بها أثناء ترشحه في مجلس الشعب، فهو نتاج كل هذه المراكمات البائسة.

وسواء، طالت مدة خدمته أم قصرت، وأيا كان سجل ممارساته كضابط أمن دولة، فهو نتاج طبيعي للعمل في جهاز لم يكن إنسانيا بطبعه، ويجني الآن أفراده حصيلة ما أجرموه أو ما تواطئوا ولو بالصمت على إجرامه.

نحن في فترة حصاد الماضي القريب، لذا لا تندهشوا..المسألة مسألة وقت، حتى ينهار الملصمون نفسيا، وتتكشف التفاعلات التي جرت في الأذهان والأرواح.

(4)

أحيانا ما يسعى الجلاد للتكفير عن ذنبه، بأن يتحول لـ”الضحية” التي كان يطاردها يوما ما.

وهاهو الدروي اليوم بين يدي ربه، وكل ما بقي منه أشلاؤه ورفاته.

هذه الأشلاء التي انتثرت في سبيل ما يسمى بالدولة الإسلامية، كانت أسمى ما يطمح إليه الإسلامي العادي يوما ما، حتى إنه كان ليتغنى “لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما”!

ومن عجب، أن يستمتع إرهابي كعاصم عبدالماجد بملذات الحياة في تركيا، وأن ينفجر جسد ضابط، ربما هو الذي كان معنيا بمتابعته يوما ما، لإنقاذ الدولة من أفكاره الشريرة!

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.