ايمن الجندى يكتب|عن الدُمى التى تظهر قبيل الموت

د.-أيمن-الجندى

يقولون فى الأسطورة إنه فى الليلة الموعودة، التى كُتب علينا فيها الموت، تعود إلينا دُمى الطفولة، حاملة معها الخوف والذكريات البعيدة، ثم ينبلج الصبح ويتبين للناس الوفاة.

ها هى مخاوف طفولته تعاوده من جديد. إنها الدمى التى تتحرك حين ينصرف الكبار وينطفئ النور. كانت مخاوفه تتضخم فى الظلام فيرتعب ويدفن وجهه فى الوسادة، يرهف السمع لأصوات غامضة مسموعة فى الغرفة، يقولون إنها صوت تمدد الخشب، لكنه كان يعلم أنها أصوات العرائس والدمى وسائر ألعاب الأطفال التى تمتلك حياة خاصة بها بمجرد أن ينصرف الكبار. ينكمش فى فراشه ويدق قلبه كالطبول، ثم يُخلّصه النومُ الرحيم! وفى اليوم التالى، حينما يفترش الحجرة ضوء الشمس الدافئ المبهج، وقتها تبدو مخاوف الأمس سخيفة وخيالية وغير مقنعة. يلقى نظرة سريعة على الدُمى، فيجدها فى ضوء الشمس بلهاء صامتة ملقاة على وجهها بلا حيلة. وقتها ينسى مخاوف الليل وهواجس الحياة الخاصة بها، ويندرج فى جملة النشاط اليومى. لكن مع اقتراب الغروب تتلاشى البهجة وتكتسب وجوه الدمى رهبة مخيفة. وفى خارج الغرفة يمارس الكبار طقوس حياتهم اليومية، غافلين عن الرعب الذى يسكن غرفات الصغار. لا يفلح صوت التليفزيون المرتفع فى تبديد الوحشة. يتثاقل الصغار فى العودة لسرير الخوف، عاجزين أن يصارحوا الكبار بما يحدث بعد انصرافهم، وفى نفوسهم إحساس غامض أن ما يحدث فى غرفهم ليلا هو سرهم الخاص الذى لا ينبغى أن يُطلعوا عليه الكبار إلا تلميحا. تبتسم الأم فى تسامح، ثم تقبّل صغيرها فى حنان، تنصرف وهى تضحك من خيال الأطفال. مع أنها لو خدشت ذاكرتها قليلا، لتذكرت الخوف الذى كان يهيمن على غرفتها كل مساء.

كيف نسى كل هذه الذكريات! كبر! قفز الفجوة من مرحلة الطفولة إلى عالم المراهقة والشباب. غابت الدمى عن عالمه ودُفنت ذكرياتها وشغلته الحياة المتوثبة ووجوه الغواية الملونة التى تطالعه بها الحياة. صار فجأة واحدا من الكبار الذين يضحكون من مخاوف الأطفال.

متى عادت الدمى إلى عالمه! كل ما يذكره أنه كان وحده فى منزله. بيته الخالى من الدفء الإنسانى، بيته الذى لا تعمره إلا الرياح. وفجأة وجد دمية من دُمى الطفولة ملقاة على سريره، تنظر إليه نظرات جامدة خالية من التعبير. متى جاءت هذه الدمية إلى هنا؟ كيف جاءت هذه الدمية إلى هنا؟ لا يدرى كيف عاد الزمان القهقرى، وتسرب الماضى إلى حاضره دون إنذار. جاءت من العالم المجهول الذى تذهب إليه كل أشيائنا القديمة، ولا نعرف إليه طريقا للوصول.

لو كان يعلم الأسطورة لعرف أنها الليلة الموعودة! ولكنه لم يكن يعلم. لذلك أطفأ النور.

كان الوقت ليلاً. وقت الخوف. وكان هو وحده فى البيت. وحده تماماً. لا توجد إلا الوحشة والخوف. نظر بطرف عينيه إلى الدمية، متجنبا النظر إلى ملامحها الجامدة، وبدأت الأصوات الغامضة المجهولة، وحاول أن يقنع نفسه أنها صوت تمدد الخشب فى انتظار النوم الرحيم. لكنه هذه المرة لم ينم، ولا أنقذته غفلة الطفولة، وإنما شاهد كل شىء وسمع كل شىء، من ذلك العالم الموازى لعالمنا، والمفعم بالرعب والغرابة، الأمر الذى كان يتعذر معه عملياً مواصلة الحياة.

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.