برتقال وبطاطس فى مواد الدستور

كنت أسأل نفسى دائما: كيف يكون لدينا مصنع برتقال؟

فى بلدنا قويسنا منوفية كنا نردد فى طفولتنا هذه الجملة كثيرا «مصنع البرتقال». ورغم أن البرتقال ثمرة وشجرة وليس هناك أى تصور خيالى لإمكانية صناعة البرتقال، فإنه كان لدينا فعلا مصنع برتقال على أطراف المدينة الصغيرة كنا نفخر به جدا ونعتبره امتيازا لبلدنا، ويعمل فيه مئات من الأهالى، وكانت متابعة صناديق الكرتون التى تحمل البرتقال وهى تخرج من أبواب المصنع كفيلة بإقناعك أنهم يصنعونه، لكنه كان يغلِّف ويعبئ البرتقال بعد جمعه من المزارعين للتصدير إلى أوروبا، ومن المؤكد أنه كان يفرز البرتقال الأكثر جودة ويقوم بتعبئته بشكل أنيق ومنظَّم بعد غسل ثمراته والتأكد من نضجها وتغليف كل برتقالة بورق أبيض شفاف، ووضعه فى فتحات قالب من «الفوم» الأبيض وشحنه ليليق بالدول التى يتم تصديره إليها.

هذا بالضبط ما تتجاهله لجنة الإخوان لصياغة الدستور.

كيف؟

أقول لك كيف وأمرى إلى الله وأسأله هو عزّ وجلّ الأجر.

ألا ينتبه أعضاء لجنة الدستور إلى أننا لسنا وحدنا فى الكون، وأننا من المستحيل أن ننقطع وننعزل عن العالم، وأننا نحتاج إلى الخارج أكثر مما يحتاج إلينا هو حتى حينه على الأقل، وأننا نستورد من الغرب والشرق نصف طعامنا ونصف قمحنا ومعظم زيوتنا وأدويتنا وأننا نسأل الله حق النشوق، ومن ثم فإن للخارج عليك حقًّا؟

من غير ما يبقى تنازلا ولا تبعية فإننا نلتزم بمواصفات فى زراعة البطاطس فى مصر كى نتمكن من تصديرها إلى الاتحاد الأوروبى، ولعلك من الذين يشاهدون فى بعض المحلات الكبرى بطاطس وفاكهة مصرية تندهش أنها من أرضنا الطيبة، من فرط جمال شكلها وطيب طعمها وحلو مذاقها فإذا بك تجد مكتوبا على عبواتها أنها خاصة بالتصدير أو أنها مزروعة بمواصفات الاتحاد الأوروبى.

هذا ما أقصده، أنه كى تتعامل مع الخارج بتصدير بضاعتك، عليك أن تلتزم بالمواصفات التى تعتمدها هذه الدول كى تستقبل منتجاتك، وهى مواصفات للمفارقة صحية وبيئية ممتازة، فهى ترفض استخدام المبيدات والهرمونات مثلا للمزروعات، كما أنها فى الملابس ترفض نسبة المنسوجات البترولية وتطلب منسوجات قطنية أصلية، وغير هذا من الشروط التى تحافظ عليها من أجل صحة مواطنيها، بينما تهمل أنت كل هذه الشروط والمواصفات حين تزرع وتصنع نفس المنتجات للشعب المصرى الذى -لا مؤاخذة- يأكل صرف صحى بالهبل ولا أحد مهتمًا، وتغور صحة أهلنا فى ستين داهية.

الآن مصر موقِّعة على معاهدات دولية وملتزمة بمواثيق عالمية لحقوق الإنسان والطفل وحرية التعبير وإنهاء التمييز ومكافحة الاتّجار بالبشر ومنع الانتشار النووى والسلام مع إسرائيل وغيرها، ولكى تتعامل مع العالم يجب أن تكون محترما هذه المعاهدات ومنفِّذا لها وساعتها تأخذ القروض التى تريدها وتنال المنح التى تنتظرها وتحصل على الاستثمارات التى تتمناها وتتفاعل مع العالم ويكون لك كلمة فيه.

طيب لو حضرتك خلعت وعملت فيها سبع البرمبة (تجاهل أنك لا تعرف معنى البرمبة!) وكتبت فى دستورك، كما يدفعنا إليه الإخوان والسلفيون والمتواطئون معهم، موادَّ تخالف الاتفاقات الملتزَم بها، فقررت مثلا قيودا على حرية العقيدة والتعبير أو أعلنت التمييز بين الرجل والمرأة أو سمحت بزواج القاصرات أو أىٍّ من الأفكار الخزعبلية التى يوهم التيار الإسلامى نفسه وتابعيه أنها تستند إلى الشريعة وهى منه ومنها بَراء، فهل سيأخذك العالم بالأحضان ويبوسك الخارج من بقك مثلا؟!

طبعا انت ممكن تهبب ما تريده فهى بلدك وانت حر فيها ياكش توافق على زواج الرُّضع، لكن ماذا سيكون موقف العالم منك؟

فضلا عن أنك ستكون مسخة بين الأمم إلا أنك لن تجد هيئة ولا دولة ولا مؤسسة ولا بنكا ولا صندوقا ولا صندوقة تعبّرك باتفاقية أو بمنحة أو بقرض، وربما يفرض بعض الدول حظرا على التعامل معك ويقاطع اقتصادك أو تجارتك أو الاستثمار عندك، ولن يكون هذا قرار حكومات غربية صليبية استعمارية كما تعتقد بل سيصبح قرار شعوب وإنسانية جمعاء.

هذا ما ينتظر التيار الإسلامى رغم تمسح الإخوان بالغرب والأمريكان ومحاولة إظهار أنفسهم جماعة منفتحة ورئيسا مدنيا، فالبلد ليس لعبة مكعبات فى أيدى هواة السياسة وحواة الاتجار بالدين ولا يمكن أن يتم التجريب فى مستقبل بلد بالغلوّ والتطرف والشطط وشغل مجاذيب السيدة.

إن اللعب فى الدستور بأصابع أسامة بن لادن وبن باز هو تلاعب بحاضر ومستقبل ملايين المصريين كتب عليهم حظهم التعس أن طالبان تحكم لجنة الدستور فى المبتديان.
المصدر: التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.