بلال فضل يكتب | لذة لوم الأضعف

بلال فضل يكتب | لذة لوم الأضعف

بلال-فضلليس جديداً أن ينشر موقع إنترنت تقريراً مصوراً، يظهر جهل بعض شباب الجامعات بالمعلومات العامة المهمة والبسيطة، فتلك سكة اتهرست من قديم الأزل، وما أكثر الصحافيين والإعلاميين الذين أكلوا عيشاً في كل الأزمنة على قفا فكرة جهل الشباب، والحنين إلى زمن العلم الجميل، سواء كانوا مثقفين بالفعل، مثل أنيس منصور الذي نشر نتائج اختبارات المتقدمين للإذاعة، أو كانوا دون ذلك، مثل مفيد فوزي الذي نصب مناحة حين اكتشف أن محمد هنيدي لا يعرف معنى كلمة العولمة، أو طارق علام الذي كان يهري الناس تريقةً، لأنهم لا يجيبون على أسئلته التي لو لم يكتب له المعدون إجاباتها لما عرفها.
الجديد والحقير أن يتحول مثل ذلك التقرير إلى سلاحٍ في الحرب الدائرة ضد طلبة الجامعات، لاتهامهم بأنهم تركوا العلم، وتفرغوا للمظاهرات، فأصبحوا لا يعرفون كم ضلعاً للدائرة، ولا متى قامت ثورة يوليو؟، وغيرها من الأسئلة شديدة البساطة التي تم توجيهها للمشاركين، ليتم حسب اعتراف أحد صناع التقرير حذف مشاركات الذين أجابوا بشكل سليم، ويتم الإبقاء على الإجابات الخاطئة، لكي يكون التقرير مسلياً، ويحقق نسبة مشاهدة عالية، كشأن أي فيديو، يظهر فيه الناس حمقى ومغفلين ومتدهولين، ليجد من يتفرج عليهم فرصة للإحساس بأنهم أذكى، وأنبه، وأفضل حالاً.
لا أظن أن هناك عاقلاً صادقاً مع نفسه ينكر أننا نعاني، في مصر والوطن العربي كله، من أزمة خطيرة في الثقافة والتعليم، لكن ذلك لا يمنع من إدراك أن الثقافة لم تعد تقاس، في العالم المتقدم، بمعرفة المعلومات العامة، بقدر ما تقاس بوجود القيم الثقافية، مثل العقل النقدي والوعي الاجتماعي والنظرة الإنسانية والتسامح واحترام التخصص والتفكير العلمي. ولذلك، ستجد في بلادنا المنكوبة أشخاصاً يوصفون بأنهم مثقفون رفيعون، لمجرد أنهم يحملون أرفع الدرجات العلمية، ويمتلكون معلومات عامة واسعة، ويسافرون إلى الغرب بانتظام، لكنهم لا يجدون حرجاً في تأييد المذابح وتبرير الظلم ونفاق السلطة واحتقار الضعفاء وترديد الأكاذيب، وهو ما يجعل منهم أخطر على المجتمع ممن لا يعرفون كم ضلعاً للدائرة.
ببحث بسيط على شبكة الإنترنت، ستجد فيديوهات تم تصويرها في شوارع الدول المتقدمة تظهر ضعف حصيلة الشباب من المعلومات العامة، خذ عندك، على سبيل المثال، هذا الفيديو الأميركي الذي يسخر من جهل الطلبة، بما وصفها الفيديو أنها “معلومات أساسية” http://bit.ly/ZLftrD
وعلى الرغم من أن أميركا تشهد نقاشاً جاداً في وسائل الإعلام حول فشل التعليم في رفع مستويات الثقافة والمعرفة والوعي، لكنك لن تجد من يستخدم فيديوهات كهذه في لوم الناس وحدهم، واتهامهم بالجهل والتنبلة، ليقوم بتبرئة الحكومات الأميركية من مسؤوليتها السياسية عن تدهور نظام التعليم، فقد أصبح الإقرار بالمسؤولية السياسية للحكومات قيمة ثقافية متعارفاً عليها. ولذلك، يتم، دائماً، لوم الحكومات الأميركية، لأنها، مثلاً، تنفق على السلاح أكثر مما تنفقه على التعليم، على الرغم من أن أميركا من أكبر الدول التي تنفق على التعليم، لكن أبرز مثقفيها وإعلامييها يركزون على أوجه تقصير الحكومات، أكثر من غيرها، بحكم مسؤوليتها السياسية، وهو ما لا يجرؤ على فعله تعساء بلادنا الذين يجدون لذتهم في لوم الطرف الأضعف وحده، والتسامح مع خطايا الطرف الأقوى الذي يمتلك السلطة والقوة والمسؤولية.
للأسف، لن تجد أحداً من هؤلاء يسأل، مثلاً، على الملأ، لماذا تنفق مصر على الأمن والقمع وصفقات السلاح أكثر ما تنفقه على نظام تعليمي حقيقي، يبتعد عن التلقين؟ ولا لماذا يستمر ترك قصور الثقافة في مدن مصر وقراها معطلةً خاويةً على عروشها ومكبلةً بقيود الأمن حتى الآن؟، ولا يجرؤ هؤلاء حتى على التفكير في عقد اختبارات مصورة لمعلومات المشير عبد الفتاح السيسي، وكبار وزرائه ومعاونيه، لنعرف عمق اطلاعهم ومدى صلاحيتهم لشغل مناصبهم الرفيعة، وربما لو اقترحت على أحدهم ذلك، لأخبرك أن الثقافة ليست معلومات عامة، بل إحساس وجدعنة ولفتات إنسانية.
لن نكذب على أنفسنا. بالتأكيد لدينا مشكلة ثقافية وتعليمية مركبة في مصر، لكنها مشكلة لا يعاني منها الشباب وحدهم، بل المجتمع بأسره، وعلى رأسه مثقفون كثيرون قد يمتلكون معرفة بالمعلومات العامة، لكنهم يفتقرون إلى كثير من القيم الثقافية والإنسانية التي لم يعد التقدم ممكناً بدونها، أهمها قيمة الإقرار بالمسؤولية السياسية للحكام، السابقين والحاليين، عن تخريب التعليم وتدمير الإعلام، وتحويل الثقافة إلى عروة في جيب الدولة البوليسية للّياقة أمام الدول المانحة، ومكايدة التيارات المتطرفة وقت اللزوم، وعلف المثقفين المنضمين إلى الحظيرة، ليتشطروا على صغار الجناة، ويواصلوا التطبيل لزعماء التشكيل العصابي الحاكم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

 

المصدر:العربى الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.