بلال فضل يكتب | مذبحة “بيقولوا”!

بلال فضل يكتب | مذبحة “بيقولوا”!

بلال-فضل.. وكثير ممّا يدفع، الآن، ثمنه أنصار تيارات الشعارات الإسلامية، ظلماً وعدواناً، بدأ في الماضي القريب، عندما اعتمدوا في صراعاتهم مع مخالفيهم على تجييش الجماهير، واستغلال عواطفها الدينية ومزاجها المتحمس، حتى ولو كان ذلك باستخدام منهج “بيقولوا” الذي يقدم للناس ما يحبون سماعه، ويستسهلون تصديقه، قبل أن تدور عليهم الدوائر، ليدركوا أن الجماهير مثل الدنيا قلّابة، وأن الرهان على رضاها الدائم رهان خاسر، وأن سكة “بيقولوا” تقتل كل مَن يسلكونها عاجلاً أو آجلاً.
في كتابه “أنا نصر أبو زيد”، يروي الكاتب جمال عمر، على لسان المفكر الراحل الدكتور نصر حامد أبو زيد، بعض تفاصيل حياته، في الأيام التي اشتدت فيها محنة المطالبة بتكفيره، وتفريقه عن زوجته الدكتورة ابتهال يونس. ويقول الدكتور نصر رحمه الله “أكثر ما آلمني أن زميلي في كُتّاب قريتنا، مصطفى عمران، الذي حفظنا القرآن معاً، وقف في خطبته بجامع قحافة، ليكرر ما أشيع عني، حتى أن أخي محمد ثار عليه، قائلاً له لقد حفظتما القرآن معاً. أصبحت القضية قضية رأي عام، تواجهني في أي مكان أذهب إليه. توقفت أنا وابتهال لشراء بعض الاحتياجات للبيت من السوبر ماركت، وبينما كنت أتجول بين الرفوف، إذا برجل عجوز يشبه الآباء المصريين يراقبني لدقائق، ثم اقترب مني وقال “هو انت..؟”، أجبته “نعم أنا فلان”، فانفجر غاضباً، حتى تجمع الناس حولنا، صاح “مش مكسوف من نفسك، إخص عليك، مولود من أب مسلم وأم مسلمة وتسمي نفسك مسلم وإنت جلبت الخزي والعار لهما بالطعن في القرآن وفي حضرة النبي، لعنة الله عليك، لازم أنت مجنون”، وأخذ يكرر هذه العبارات.
نظرت إليه، وقلت “خلصت؟”، فهز رأسه بالموافقة، فطلبت منه أن يسمعني، وقلت له “لو أحد زيك وزي ابنك، يعمل بجامعة في بلد أغلبيتها مسلمين زي مصر، وعايز يترقى ليزيد دخله لمواجهة غلاء الأسعار، هل من إنسان عاقل يقدم نفسه على أنه ملحد للجامعة، أم ينتظر حتى يترقى، وبعدها يفعل ما يشاء، أنا مثلك في احتياج لمرتبي، لمواجهة مصاعب الحياة، وهذه زوجتي”، وبعد أن قدمت له ابتهال بدأت ثائرة الرجل تهدأ، وقال “طيب إيه المشكلة، لأن الناس اللي اتهمتك ناس مش مغفلين، دول ناس أفاضل ومن أهل الله”.
قلت “تريد معرفة سر المشكلة؟”، هز رأسه بالموافقة، قلت “أنا نقدت هؤلاء الرجال الأنقياء أهل الله، لدعمهم شركات توظيف الأموال، التي سرقت أموال المودعين باسم الدين”، بدأ الرجل بانفعال يصب لعناته على هذه الشركات التي سرقت ابنه الذي شقي وتعب بالعمل في الكويت لعشر سنوات، قلت له “هذا هو السبب وراء ضجتهم، كنت أدافع عن المصريين مثلك، ومثل ابنك وأحفادك من ناس سرقوا الأموال تحت اسم الدين”، أقبل الرجل نحوي وقال “يا بني لا تؤاخذني”، واحتضنني في وسط السوبر ماركت، شعرت بالارتياح، وفي السيارة مع ابتهال في رحلة الأربعين كيلومتراً، عائدين إلى شقتنا بضاحية ستة أكتوبر قلت لها “أنا أحتاج أن أجلس مع كل مصري ومصرية، حتى أشرح لهم الموضوع”.
للأسف، لم يجد الدكتور نصر الفرصة وقتها، لأن يجلس مع كل مصري ومصرية ليشرح لهم الموضوع، لأن نظام مبارك أغلق في وجهه أبواب إعلامه الرسمي، وفتح له طريقاً واحداً هو السفر خارج البلاد، ليظهر النظام أمام عموم شعبه بمظهر المدافع عن الإسلام، ويظهر أمام الدول المانحة بمظهر حامي حرية التعبير. للأسف، أيضاً، لم ينتبه قادة وأنصار تيارات الشعارات الإسلامية إلى خطورة الاعتماد على تجييش الجماهير ضد مَن يعارضون أفكارهم، لأنهم لم يكونوا يتصورون أنه سيأتي اليوم الذي يصبحون فيه ضحايا على أيدي الجماهير التي كانت تهلل لهم. للأسف، لم يدركوا أن دفاعهم عن حق خصومهم في الحياة كراماً أحراراً في وطنهم، كان يمكن أن ينفعهم كثيراً، عندما يجدون أنفسهم ممنوعين من الحياة أحراراً وكراماً في وطنهم، وهو نفسه ما لم يدركه بالأمس، والآن، كثيرون من أدعياء الليبرالية والثورية، عندما طبلوا وهللوا لقتل وقمع معارضيهم من الإخوان، من دون أن يدركوا أن ذلك سيطالهم حتماً، في القريب العاجل، لتدفع مصر غالياً ثمن اعتقاد الكثيرين من أبنائها أن قصة “أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض”، تتحدث فعلاً عن الثيران.

 

المصدر:العربى الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.