تأكل «سيادة» الرئيس فى مواجهة «مجلس الدولة »

تأكل «سيادة» الرئيس فى مواجهة «مجلس الدولة »

طارق البشري

 

عرفت أعمال السيادة منذ إنشاء مجلس الدولة الفرنسى بأنها القرارات التى تتخذها السلطة التنفيذية باعتبارها سلطة حكم وليست سلطة إدارة، وبناء على ذلك فقد خرجت جميع هذه الأعمال من سلطة رقابة قضاء مجلس الدولة الفرنسى ــ وبالتبعية مجلس الدولة المصري ــ منذ عقود طويلة، وعلى رأس هذه الأعمال: إعلان حالة الطوارئ أو مدها، دعوة الناخبين للاستفتاءات والانتخابات، تعيين الوزراء والمحافظين، تعيين الأعضاء المعينين فى البرلمان، إعلان الحرب، تعيين السفراء، قطع العلاقات الدبلوماسية أو تخفيض التمثيل الدبلوماسى، وإبرام الاتفاقيات والمعاهدات.

إلاّ أن محكمة القضاء الإدارى خلال عام 2013 أصدرت العديد من الأحكام التى تؤدى إلى تآكل نظرية أعمال السيادة بتطبيقاتها المتعارف عليها فى القضاء المصرى، وذلك منذ إصدارها حكم وقف قرار الرئيس السابق محمد مرسى بدعوة الناخبين للاقتراع فى الانتخابات البرلمانية فى 7 مارس الماضى، والذى يعتبر أول حكم بسط ولاية القضاء على أمر طالما صدرت الأحكام باعتباره من أعمال السيادة يتعلق بالعلاقة المباشرة بين رئيس الدولة وجموع الناخبين.

وفى ذلك الحكم قالت المحكمة برئاسة المستشار عبدالمجيد المقنن وعضوية المستشارين سامى درويش وجابر حجى إن «المشرع لم يصنع تعريفا محددا لأعمال السيادة، وإنما يستقل القضاء بتحديد ما يندرج ضمن هذه الأعمال» واستندت إلى أن دستور 2012 استحدث تعديلا فى طبيعة نظام الحكم فى مصر، فأصبح برلمانيا رئاسيا، ويكون الأصل طبقا للمادة 141 منه أن يتولى الرئيس كل سلطاته بواسطة رئيس الوزراء ونوابه والوزراء عدا اختصاصات معينة تتصل بالدفاع والأمن القومى والسياسة الخارجية، وبالتالى فقد انحسرت أعمال السيادة عن قرار دعوة الناخبين للاقتراع، بأمر الدستور والقضاء.

وأصبح هذا الحكم نهائيا وباتا وبمثابة مبدأ بعدما أيدته المحكمة الإدارية العليا برئاسة المستشار يحيى دكرورى.

أما المحطة الثانية فكانت فى 28 مايو الماضى، حيث قضت المحكمة بالهيئة ذاتها بعدم قبول بعض الدعاوى المطالبة ببطلان الإعلان الدستورى الذى أصدره الرئيس السابق محمد مرسى فى 22 نوفمبر 2012 لزوال المصلحة بعد إلغاء هذا الإعلان بموجب دستور 2012، إلاّ أن المحكمة أكدت فى حيثياتها عدم اعتبار الإعلانات الدستورية التى يصدرها الرئيس فى غياب البرلمان من أعمال السيادة، ورفضت الدفع المبدى بذلك من هيئة قضايا الدولة محامى الحكومة.

وأضافت أن «ما ورد بهذا الإعلان الدستورى يصادم المبادئ الدستورية المستقرة، ويشكل عدوانا على حقوق وحريات المواطنين واستقلال القضاء وحصانته» مستندة إلى أن الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011 من المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذى أقسم الرئيس عند توليه السلطة على احترامه لم يمنحه سلطة إصدار إعلانات دستورية، ومن ثم يكون قد اغتصب السلطة التأسيسية، ويكون ما أصدره ليس تشريعا دستوريا أو عاديا، بل عملا إداريا يخضع لرقابة مجلس الدولة.

ولا ينفصل الحكم الأخير الذى صدر أمس الأول بشأن حالة الطوارئ عن المحطتين السابقتين، بل هو أكثر خطورة وتاريخية نظرا لهدمه عرفا قضائيا كان من البديهيات فى قضاء مجلس الدولة، واعترفت المحكمة بذلك فى حيثيات الحكم قائلة «إنه لم يغب عن علم هذه المحكمة أن لها أحكاما سابقة صدرت فى ظل العمل بالدساتير السابقة وحتى سقوط دستور 1971، فرقت بين القرارات الصادرة بإعلان حالة الطوارئ ومدها واعتبرتها من أعمال السيادة وقضت بعدم اختصاصها بنظر الدعاوى المقامة ضدها، وبين القرارات والأعمال التى تصدر من السلطة القائمة على تطبيق حالة الطوارئ واعتبرتها من الأعمال الإدارية».

ورأت المحكمة برئاسة المستشار محمد قشطة وعضوية المستشارين عبدالمجيد المقنن وسامى درويش أن التطورات الدستورية التى تضمنتها الوثائق الدستورية المتعاقبة منذ إعلان 30 مارس مرورا بدستور 2012 وانتهاء بإعلان 8 يوليو تكشف عن توجه المشرع الدستورى إلى تقييد سلطة رئيس الجمهورية فى إعلان ومد حالة الطوارئ بوضع مزيد من الشروط والضوابط والقيود على ممارسة اختصاصاته فى هذا الشأن، وأصبحت قرارات إعلان حالة الطوارئ أو مدها خاضعة لنظام قانونى دقيق ومنضبط، فيتعين أن يصدر القرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس الوزراء، وأن يرتبط إعلان أو مد حالة الطوارئ بعروة وثقى بالأسباب التى نص عليها المشرع، وأن يتقيد القرار بالمدة المحددة دستوريا.

وشددت المحكمة على أن المستفاد من هذا الاتجاه أن سلطة الرئيس فى إعلان حالة الطوارئ ومدها «لم تعد سلطة مطلقة وإنما هى سلطة مقيدة، حدد المشرع الدستورى والقانون تخومها وضبط حدودها ومداها وحد من غلوائها» باعتبار أنها حالة تؤثر على الحقوق والحريات المقررة دستوريا للمواطنين، ويترتب عليها توسيع السلطات التنفيذية على حساب الحقوق والحريات.

وأكدت أيضا أن هذا التطور الدستورى ينبغى أن يقابل من جانب القضاء باجتهاد جديد يتوافق مع هذا التطور لضمان تحقيق قصد المشرع الدستورى المتمثل فى توفير المزيد من الحماية للحقوق والحريات، وبالتالى فإن قرار إعلان ومد حالة الطوارئ «إدارى ولا يعد من أعمال السيادة، والمحكمة فى هذا تتبع الحق وفقا لما اطمأن إليه ضميرها، وإن خالفت ما سبق من أحكام».

وأشارت إلى أن «إحجام القضاء عن بسط رقابته على القرارات الصادرة بمد حالة الطوارئ قد أدى فى الواقع إلى استمرار السلطة التنفيذية فى تقييد الحقوق والحريات بمد حالة الطوارئ لمدة تزيد على ثلاثين عاما متواصلة فى عهد حسنى مبارك، بموافقة أعضاء مجلس الشعب، فصار الاستثناء قاعدة وأصبحت حالة الطوارئ التى ما شرعت إلا لمواجهة ظروف طارئة ومؤقتة، حالة دائمة ومزمنة ومفروضة قسرا على خلاف الحكمة منها».

وإزاء هذا الاتجاه القضائى الجديد الذى يؤدى لاضمحلال تطبيقات نظرية أعمال السيادة، اختلف شيوخ القضاء حول مدى إيجابية ذلك أم سلبيته.

فمن جهته امتدح الفقيه القانونى المستشار طارق البشرى، النائب الأول الأسبق لرئيس مجلس الدولة، حكم إخراج حالة الطوارئ من أعمال السيادة، قائلا: «هذا اجتهاد جيد ومقبول ونبيل، يتوافق مع ما يتعين أن يكون عليه القضاء من بسط ولايته على أمر أسىء استخدامه قانونيا على مدار عشرات السنين، وعانت مصر فى ظله من استبداد الحكام»، مؤكدا أن الحيثيات كتبت بقدرة قانونية متميزة.

وأضاف البشرى أنه يفهم من حيثيات الحكم اتجاه القضاء الإدارى لمراقبة إساءة استخدام حالة الطوارئ والإسراف فى إعلانها ومدها، وليس أن القضاء الإدارى ينصب نفسه بدلا من السلطة بما تمتلكه من معلومات أمنية وتقديرات سياسية.

وفى المقابل انتقد المستشار عادل فرغلى، الرئيس الأسبق لمحاكم القضاء الإدارى، ما وصفه بـ«الاتجاه الجديد لمحاكم مجلس الدولة فى إقحام نفسها فى المسائل السياسية مثل إلغاء الإعلانات الدستورية وحالة الطوارئ»، مؤكدا أنه اتجاه غير سليم ظهر بعد ثورة يناير ويفتقر إلى الحكمة «لأنه لا يجوز أن يخوض القضاء فى كل هذه المشاكل».

وأكد فرغلى أن حالة الطوارئ قرار يتعلق بسلطة حكم الدولة للمواطنين وليس إدارتها لشئون فئة منهم، لأنه يؤدى إلى حالة استثنائية تتعلق بالشعب كافة وليس أشخاصا معينين، وتتغير على أساسه كل القوانين والإجراءات، وأن السلطة التشريعية هى التى يجب أن تبسط رقابتها على أعمال السلطة التنفيذية المتعلقة بالحكم وليست السلطة القضائية، نظرا لأن المسئول الإدارى هو الذى يساءل أمام البرلمان على مثل هذه القرارات وليس القاضى.

وأوضح فرغلى أنه فى هذا الإطار لم تبق سيادة للرئيس خالصة من الرقابة القضائية إلا فى قرارات الحرب والعلاقات الخارجية والأمن القومى وتعيين الوزراء والمحافظين فقط، وهى أمور لم تخضع لمنازعة قضائية حتى الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.