حمور زيادة: أصبحتُ كاتبًا دون أن أدري..

حلمت أن أصبح محاميًّا شديد الدهاء. ذلك النوع الذي تراه في الأفلام. هادئًا، لا يبدو خطرًا، لكنه يعرف كيف ينقض فجأة من ثغرة القضية فيحصل على براءة مذهلة. أبي، الذي كان محاميًّا كبيرًا، لم يكن هو النموذج. بثيابه الفخمة، وحضوره الطاغي، وضحكته المجلجلة، وروب المحاماة شديد الأناقة كأنما حاكته له جنيات العدالة في أقبية كلية القانون بجامعة هايدلبرغ. كان أشبه بالسياسيين. وكان أيضًا سياسيًّا. أما أنا فكنت أحلم بشكل أكثر مخادعة، وأقل صخبًا وحضورًا.

متى اكتشفت أنك تريد أن تصبح كاتبًا؟”

لقد سُئلت هذا السؤال أكثر من مرة. في حوارات صحفية، أو لقاءات مع جمهور. في كل مرة، وكأنها المرة الأولى، أعيد التفكير، ثم أجيب بأول ما يأتي على ذهني. غالبًا ما تكون إجابة مختلفة عن سابقتها، بشكل من الأشكال. لأن الحقيقة مراوغة جدًا في هذه المسألة، كما في مسائل أخرى.

حين أفكر الآن، بشيء من الهدوء، وليس أمامي إلا الورقة البيضاء، أجد ذكريات كثيرة، معظمها مشوش، ومخادع.

أذكر جيدًا أني في مرحلة من عمري تمنيت أن أصبح رسّام كاركتير. ربما كان ذلك تأثرًا بما عرفته عن ناجي العلي، وقصة اغتياله. كنت أحب حنظلة جدًا. ربما كان هذا هو السبب. لأني أذكر أني لم أكن أكتفي بالأمنية، إنما كانت أحلام اليقظة تلفها لتشكل رؤية كاملة للمستقبل. حيث أصبح رسام كاركتير، أعيش في فرنسا، متسكعًا على مقاهي الحي اللاتيني، ومتزوجًا من صحفية لبنانية عصبية، لكنها جميلة كلفظ اسم لبنان.

هل كانت هذه الأمنية سابقة، أم لاحقة، على رغبة أن أصبح محاميًّا شديد الدهاء؟ لا أعرف. يختلط الزمن وأنا أحاول التذكر. ربما لم تتعاقب الأمنيتان. لعلهما تقاطعتا وتبادلتا الوجود. فأنا كنت طفلًا شديد الملل، سريع التقلب. ومازلت طفلًا كبيرًا شديد الملل، سريع التقلب.

لم أحلم أن أكون محاميًا كأبي. حلمت أن أصبح محاميًّا شديد الدهاء. ذلك النوع الذي تراه في الأفلام. هادئًا، لا يبدو خطرًا، لكنه يعرف كيف ينقض فجأة من ثغرة القضية فيحصل على براءة مذهلة. أبي، الذي كان محاميًّا كبيرًا، لم يكن هو النموذج. بثيابه الفخمة، وحضوره الطاغي، وضحكته المجلجلة، وروب المحاماة شديد الأناقة كأنما حاكته له جنيات العدالة في أقبية كلية القانون بجامعة هايدلبرغ. كان أشبه بالسياسيين. وكان أيضًا سياسيًّا. أما أنا فكنت أحلم بشكل أكثر مخادعة، وأقل صخبًا وحضورًا.

لعل أمنية الرسام بدأت قبل معرفة الكاركتير. فقد كنت أرسم منذ سنوات عمري الأولى. في الصف الثاني بالمدرسة كنت أقيم معرضًا لرسوماتي الطفولية الخرقاء على حائط منزلنا. وأتخيل جمهورًا أدير معه حوارًا وهميًّا.

لكن متعه الحكي كانت مغروسة من قبل ذلك، حينما أغوتني جدتي بحكاياتها وقصصها. لقد حكيت عن جدتي كثيرًا. بتول بنت بابكر الريّح. واعتبرت أنها صاحبة التأثير الأول في حياتي في محبة الحكي. أعتبرها أعظم قاصة في العالم. وأمنيتي أن أجيد كتابة الرواية كما كانت تحكي هي قصصها. فوجئت يومًا أن الصديق الروائي الفلسطيني عاطف أبوسيف يقول ذات القول عن جدته.عائشة! كان هذا مزعجًا لي. فلم أتوقع أن تنافس جدة فلسطينية من يافا جدتي الأمدرمانية بتول، على لقب أفضل قاصة في العالم.

لكني متأكد أني حين حاولت الكتابة لأول مرة لم أكتب حكايات كحكايات جدتي. إنما بدأت بتقليد مجلات الكوميكس. خالطًا فيها بين الرسم والكتابة. كنت سيئًا في التلوين، فطوّرت رسمي بالظلال واللون الأسود. ثم بدأت اقلد، لفترة قصيرة، قصص المغامرات الشبابية المكتوبة. مثل المغامرون الخمسة، والشياطين ال 13، ورجل المستحيل. فترة قصيرة، رغم أني “أصدرت” فيها حوالي 20 عددًا. كان آخرهم، الذي لم أكمله قط، يحمل اسم “عملية سيريلانكا”. أولهم كان باسم “ملك الشطرنج”. الفترة الأطول كانت رسم مجلة الكوميكس خاصتي، التي أسميتها “مازمات”. لقد استمرت منذ المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الاعدادية.

هل تمنيت حينها أن أصبح كاتبًا؟ لا أعتقد. ربما لم أشغل نفسي بالمستقبل كثيرًا. كنت مجرد طفل يذهب إلى المدرسة صباحًا ليقابل أصحابه، ويهرب من المذاكرة مساءً ليقرأ ويرسم ويكتب. هذه حياة سعيدة لا تحفّزك على التفكير في المستقبل.

حتى حينما كتبت، بعد ذلك بسنوات، لم أفكر أني سأصبح كاتبًا. في نهاية التسعينيات بدأت فجأة، وبلا سابق تخطيط، كتابة القصص الواقعية الاجتماعية. كان ذلك بعد أن توقفت عن الحلم بأن أصبح شاعرًا. فرغم أني كتبت بعض الغزل في فتيات أحببتهن، وأعجبهن ما كتبت فيهن، إلا إني عرفت مبكرًا أن ما أعجبهن هو الغزل لا الشعر. فتركت الشعر، وكتبت القصة. وبصدفة ما قدّمت إحدى قصصي، لعلها كانت الثانية التي أكتبها، لمسابقة قصصية في الخرطوم، ففازت بالمركز الثالث. حفّزني ذلك على الكتابة. لكني لم أفكر في أن “أصبح كاتبًا”. أنا أعيش حياتي، وأكتب أحيانًا. ربما هكذا يفعل الناس. لا أعرف.

في يوم ما، وباندفاع مجنون، حملت بعض قصصي وذهبت إلى إحدى الصحف. لم يكن الأمر صعبًا. صاروا ينشرون لي قصة كل أسبوع، مجانًا. كنت أشتري 3 نسخ من الصحيفة. نسخة لأرشيفي الخاص الذي احترق بعد سنوات. ونسخة لي، أعيد قراءتها كثيرًا. ونسخة لأمي. تقرؤها، وتمررها لجاراتها، فخورة.

أمي كانت تخشى أن أصبح كاتبًا. منذ وقت مبكر نذرت نفسها لمنعي من هذا المصير المحزن. لا أعرف كيف قرأت المستقبل. الأمهات يعرفن دومًا. لكنها لانت لما وجدت اسمي ينشر في الصحف. ثم تحمست جدًا يوم زارنا في البيت الصحفي السوداني الكبير فيصل محمد صالح. كانت تقرأ له، وتعجب بما يكتبه. فلما رأته يقف في فرجة باب بيتنا زائرًا، أصبحت متحمسة لما أكتبه.

لكني حتى ذلك الوقت لم أكن أصدرت سوى مجموعة قصصية وحيدة.

لعلها كانت هي اللحظة التي قررت فيها أن أصبح كاتبًا. ليس عندما كتبت المجموعة. فهي تجميع لقصص كتبت ما بين عامي 1997 و2008. حاولت نشرها في كتاب لعدة سنوات. لا سيما عام 2005 ضمن مشروع الخرطوم عاصمة الثقافة. لكني أينما توجهت وجدت فشلًا لم يحزنّي. لم تكن رحلة الفشل الذي يحزن قد بدأت بعد. هذه قصة أخرى. أما وقتها، ما بين 1997 و2008 فلم أكن أكثر من هاوٍ يحلم بجمع كتاباته في مطبوعة واحدة. ما كان الرفض يقتل أملًا قويًّا. إنما هو شيء أحاوله بحسب الفرصة. لذلك طبعت مجموعتي هذه بالقاهرة في 2008 بالفرصة والصدفة أيضًا. لكن اللحظة التي أمسكتها فيها، في أغسطس عام 2008، لما وصلتني أول نسخها إلى الخرطوم، لعلها تلك اللحظة التي أحسست فيها الرغبة في أن أكون كاتبًا.

قد تبدو تلك الذكرى حاسمة. قررت أن أكون كاتبًا في نهار دافئ في شهر أغسطس 2008. لكن الذكريات المشوشة ترمي عليّ قطعة منها الآن تنبهني أني في أكتوبر 2010 عندما كانت روايتي الكونج بالمطبعة، كنت أسأل نفسي “هل أنوي أن أصبح كاتبًا؟”.

ألم أقل لك، إن الحقيقة مراوغة جدًا. ربما لم أقرر قط أن أصبح كاتبًا. لعل هذا أقرب للتوفيق بين الذكريات المشوشة والمتضاربة. لعلي أصبحت كاتبًا دون أن أدري. ربما هكذا الكتّاب يصبحون كتّابًا. دون قرار واعٍ. إنما يُسحبون في رمال الكتابة المتحركة، حتى تلتهمهم. كان سيدي الطيب صالح ذاته لا يعتبر نفسه كاتبًا. لعله سُحب إلى هناك دون أن يدرك. فقرر الإنكار.

لذلك أرتبك حينما يُطرح عليّ سؤال “متى اكتشفت أنك تريد أن تصبح كاتبًا؟”. أصرخ بلا صوت .. يا ويلي! هل أصبحت كاتبًا؟ وأنظر خلفي، إلى تلك الحياة التي عشتها، محاولًا اقتناص اللحظة لأجيب إجابة محددة واضحة. فلا أجد.

ربما كان السؤال، الذي سأطرحه على نفسي بعد سنوات طويلة، إذا عشت، سيكون أكثر دقة من أسئلة الإعلام والجمهور. متى اكتشفت أنك أصبحت كاتبًا؟ هذا سؤال مختلف. وسيفسح المجال للتفكير بشكل آخر. واستحضار ذكريات مختلفة. ربما وقتها أعتبر كل ما مر، حتى هذه اللحظة لم يكن ضمن ما أعتبره “كاتبًا”. لا أدري. لكن حتى ذلك الوقت، أنا مضطر لأن أجيب في كل مرة إجابة مختلفة بشكل من الأشكال على السؤال الذي يتكرر. وكلما تكرر أفزعني واستفز ذكريات صاخبة.


 * حمور زيادة: روائي وقاص سوداني، حائز على جائزة نجيب محفوظ لعام 2014 عن روايته “شوق الدرويش”، وتأهلت الرواية للقائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) لعام 2014.

المصدر: موقع تكوين http://www.takweeen.com/?p=9007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.