دمغة المحاماة بين التزوير والتدوير ( أموال نقابة المحامين 2 ) بقلم : إبراهيم عبدالعزيز سعودي

أموال نقابة المحامين 2

دمغة المحاماة بين التزوير والتدوير

ابراهيم-سعودي-2بقلم : إبراهيم عبدالعزيز سعودي

حددت المادة 181 من قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 دمغة المحاماة كأحد موارد صندوق الرعاية الصحية والاجتماعية للمحامين ، بحيث يكون جميع ما يجري تحصيله من هذه الدمغات مخصصاً بالكامل لهذا الصندوق الذي تكمن وظيفته الأساسية في تدبير موارد العلاج والمعاش للمحامين .
وحددت المواد 183 ، 184 ، 185 من القانون المواضع التي تستحق فيها دمغة المحاماة وهي على محاضر الجلسات عند حضور المحامي أمام المحاكم أيا كان نوعها وأمام اللجان القضائية واللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي وفي جلسات التحقيق الذي تجريه النيابات وأمام جهات التحقيق الأخرى المختلفة ، وكذا على طلبات تقدير أتعاب المحامين (التي تستحق عنها دمغة نسبية تتناسب مع الاتعاب التي يجري تقديرها) ، وعلى التوكيلات الصادرة إلى المحامين من مصلحة الشهر العقاري ، وعلى طلبات القيد بجداول المحامين ، وعلى الشهادات التي تصدرها نقابة المحامين بناء على طلب المحامي أو أي جهة أخرى .
فهذه الدمغة إذن هى النموذج الأمثل لتمويل المحامين المشتغلين فعليا لنقابتهم إذ لا يقوم بسداد السواد الأعظم من الدمغات إلا المحامي الذي يمارس عملاً فعلياً أمام المحاكم والنيابات
والدمغة بكل فئاتها ومواضع استحقاقها المختلفة هى واحد من أهم مصادر ايرادات صندوق الرعاية الصحية والاجتماعية ، بل هي المصدر الأهم ، وفي تعبير لا تغيب عنه الدقة هي النهر الجاري من الأموال الذي كان يتعين أن يتدفق صباح كل يوم الى هذا الصندوق لتكون الممول الأساسى للإنفاق العام على العلاج والمعاشات .
وعلى الرغم من ذلك فإن الاختلال الفاضح في نظام تحصيل دمغة المحاماة والاعتلال الفادح في نظام الرقابة عليها قد أهدر هذا المورد المتدفق وعطل جريان هذا النهر الجاري من الأموال ، ويبين في وضوح هذا الاختلال وذلك الاعتلال في التفاوت الرهيب بين الأرقام المعلن عنها للدمغات المحصلة وبين عدد القضايا المتداول سنويا فتبقى ايرادات الدمغة أضعف كثيراً كثيراً مما يستوجب تحصيله ولا تتناسب بأي وجه من الوجوه مع الأرقام الاحصائية السنوية المعلنة من وزارة العدل عن التوكيلات المحررة الى المحامين وعن عدد القضايا المتداولة في محاكم مصر قضاء مدني وجنائي واداري ودستوري وعسكري وبكافة درجات ذلك القضاء من أدناها الى أعلاها فضلا عن تحقيقات النيابة العامة وغيرها من التحقيقات القضائية والادارية والتأديبية التي يمثل فيها المحامون ويسددون عنها دمغات المحاماة بفئاتها المختلفة .
ولأن الادارة المالية للنقابة هي ادارة عشوائية ، تماما كعشوائية وفوضى من يقومون عليها فلا وجود عندهم لعلم الادارة ولا أثر في عملهم لعلم الاحصاء ، وهم لم يسبق لهم بكل تأكيد أن حاولوا دراسة هذه الفجوة احصائيا باحصاء عدد القضايا والتحقيقات والتوكيلات وغيرها من مواضع استحقاق الدمغة وحساب تقدير ما يتعين تحصيله وبيان نسبته الى المحصل فعلياً للوصول الى حجم التسرب من الدمغة ثم دراسة أسباب هذه الظاهرة ووضع تصورات وحلول لكيفية معالجتها .
ولعله ليس أمامنا ـ لغياب هذه الاحصاءات وعدم كفاية البيانات ، وحجب ميزانيات النقابة ـ الكاشفة للايرادات وأوجه الإنفاق ـ عمداً ، سوى القراءة الظاهرية لأسباب تسرب مورد الدمغة وانهيار ايراداتها المحققة بما تنعدم معه قدرتها على أداء وظيفتها ونرى أن أهم هذه الأسباب يكمن في :
أولاً : غياب الرقابة الفعلية والمستمرة على الموظفين المنوط بهم تحصيل هذه الدمغات ، وأدى غياب الرقابة الى تسرب الدمغة سواء بالتهاون والتراخي في تحصيلها أو بالنموذج الأكثر شيوعاً ويمثل جريمة يومية متكاملة الأركان ، ويتمثل في حصول الموظف المختص على الدمغة دون لصقها على محضر الجلسة أو اعادة نزعها بعد لصقها ، ثم اعادة بيعها مجددا بالاتفاق بين عدد من أمناء السر والعاملين والحجاب الذين يقومون باعادة بيعها للمحامين مجدداً وهو ما أصبح يطلق عليه اعادة تدوير الدمغة .
ثانيا : شيوع الدمغات المزورة ، والتي على الرغم من انتشارها واكتشافها أكثر من مرة فلم يتوقف عند ذلك أبداً نقيب أو مجلس نقابة (عامة كانت أو فرعية) ولم يهتز لهم جفن أو يتحرك لهم جسد لمنع هذه الجريمة وضبطها وضبط مرتكبيها الذين ينعمون بعائدات التزوير على حساب المرض والأرامل واليتامى من المحامين وأسرهم .
ثالثاً : عدم مطالبة وزارة العدل بتوريد قيمة الدمغات المستحقة على التوكيلات التي تصدر الى المحامين ، وتقوم بتحصيلها مصلحة الشهر العقاري وتدخل خزانة وزارة العدل ، ولا يجري توريدها (كأتعاب المحاماة التي ستكون موضوع مقالنا القادم)
رابعاً : اختلاط الحابل بالنابل في ماليات النقابة وعدم الفصل في الواقع العملي بين موارد النقابة وموارد الصندوق على الرغم من فصل القانون بين مواردهما وميزانياتهما وجمعياتهما العمومية ، ومن ثم فإن عدم الرقابة على أموال الصندوق على النحو الذي رسمه القانون جعل القائمين على أموال النقابة ينفقون موارد الدمغة على أنشطة النقابة العادية ، ويسمحون للقائمين على النقابات الفرعية بتحصيلها والتصرف فيها على غير ما رسم القانون لها ، ولعل الخلاف الناشب الآن بين نقيب جنوب القاهرة وأمين الصندوق فيها يكشف طرفاً من هذه الحقيقة ، التي لو أتيح للمحامين أن يباشروا حقهم في الاطلاع على ميزانياتهم ومواردهم تحصيلا وانفاقا لتكشفت لهم حقائق مريرة ومفاسد كثيرة تستنزف ثروات نقابتهم .
وبسبب ما يجري في حق الدمغة من تزوير وتدوير وما يشيع من النقيب ومجلسه من تهاون وتقصير ، تنضب موارد الصندوق من الدمغة التي تكفي ـ في رأينا ـ وحدها كمورد من موارد صندوق الرعاية الصحية والاجتماعية لمضاعفة الحدين الأدنى والأقصى لمعاشات المحامين .
وحتى لا يتعجل المتعجلون فإننا نشير الى أن الحديث عن معالجة ذلك الخلل الجسيم وضبطه مع غيره من الموارد سوف يكون هو خاتمة هذه السلسلة من المقالات ، حيث نرجئ ذلك لما بعد أن نعرض لموارد النقابة وصندوق الرعاية الصحية والاجتماعية جميعها ، غير أننا في جميع الأحوال نستطيع أن نؤكد أنه لن يكون هناك علاج ما لم يحدث تغيير جوهري في بنيان النقابة القانوني واللائحي والرقابي ، ومن المؤكد أن هذا التغيير لن يحدث فى ظل النقيب الحالي ومجلسه إذ لا يستقيم أبداً أن يخرج النظام والانضباط من رحم الفوضى والعشوائية والانهيار الذي أورثونا إياه ….. وللحديث بقية .

طالع أيضاً في سلسلة مقالات : أموال نقابة المحامين

المقال الأول : بين غياب الشفافية والمراقبة وعجز القانون عن المحاسبة على الرابط : https://www.seoudi-law.com/?p=22066

للتواصل مع الكاتب عبر حسابه على فيس بوك

https://www.facebook.com/ibseoudi

وعبر صفحته الشخصية على فيس بوك

https://www.facebook.com/ibrahem.seoudi?ref=hl

و عبر حسابه على تويتر

https://twitter.com/ibseoudi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.