د.أيمن الجندى يكتب| أيمن الجندي النبوءة

د.-أيمن-الجندى1

عند الحد الفاصل بين النوم واليقظة كان يصارع وحشاً خرافىَّ الأبعاد. لكن يديه كانتا بطيئتين كعادة الأحلام. ورغم المسافات البعيدة شاهد مقود السيارة وهو ينحرف بشدة. وسمع بوضوح صرير إطارات تحتك بالأرض. حرر يده اليمنى من مخالب الوحش، ومدّها، فاستطالت آلاف الأمتار. حاول أن يلف المقود بسرعة، ويعيد السيارة إلى الطريق. إلا أنها شرعت تدور حول نفسها فى جنون. ودار العالم بأسره، ودارت الكرة الأرضية حتى أحس أنه فى أرجوحة. وبدأ الوعى يتسلل، وتكاثفت سحب الضباب، وصرخ: «لا. لا».

شرع يئن بصوت مُعذّب ضعيف. وبدأ يستعيد الوعى كشعاع شمس يتسلل بين الغيوم. ثم فتح عينيه فى بطء ناظرا إلى ما حوله فى استغراب! وفى اللحظة نفسها دلفت زوجته إلى الغرفة، وقالت هامسة إنها ستسافر الآن.

لم يكن قد استعاد وعيه بالكامل، إلا أنه أحس بالارتياح. من الجيد أن تستيقظ بعد كابوس مزعج فتكتشف أن العالم بخير وكل شىء على ما يرام. وحاول أن يستعيد أحداث الحلم، لكنه فشل تماما. من العجيب أنه كان منغمسا فى أحداثه بالكامل، والآن إغلاق.

واقتربت منه زوجته وقبّلته على خده فى لطف. قال فى غباء وهى تغادر الغرفة: «ستذهبين إلى المنصورة الآن؟». قالت وهى تبتسم: «تماما كما اتفقنا بالأمس، وسأعود فى المساء».

وسمع الباب وهى تصفقه خلفها. لقد أنهكه الحلم الذى لم يعد يذكر منه شيئا. يشعر وكأنه خاض معركة!. ولعل الرؤى المزعجة تُحفّز إفراز هرمون الأدرينالين، الذى حين ينسحب من الجسد يشعر بالإنهاك. فيا للمخ من عالم غامض مُفعم بالأسرار. يزعم فرويد أنه لا قدرة تنبؤية للحلم، وأنه تعبير عن عقلنا الباطن وفهمنا الحياة. يؤكد هذا رغم أن الملك شاهد سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، ولولا يوسف لما عرفنا تأويل الأحلام.

بدأ يستعيد نشاطه بالتدريج. نهض من فراشه، وألقى نظرة من النافذة. صباح شتائى جميل. بدأ يستشعر البهجة والسرور. لكم هو عاشق للشتاء. الهدوء يخيّم على المنزل. أعد لنفسه فنجانا من القهوة المحوجة، واستنشق عبيره فى شغف، ثم راح يرشفه فى سرور. وتأمل السحب المتراكبة وصفاء السماء الأزرق. الحياة جميلة حقا، وتستحق أن نحبها. وتذكر الليلة السابقة وأنفاسه المتلاحقة. رباه! لقد بدأ يتذكر الكابوس. كانت هناك سيارة تنقلب ومقود ينحرف وإطارات تحتك بالأرض بصوت كالصرير! وكان يئن بضعف، ويمد يده عاجزًا عن التدخل، وكأنه بعيد عن موقع الحادثة. حادثة! ولكن لمن؟ زوجته ودّعته منذ دقائق معدودات، فهل كان الحلم الذى شاهده نبوءة كى يمنعها من السفر! رباه! لكنه نسى الحلم تماما بمجرد الاستيقاظ.

نهض مفزوعا، وقد تفككت أعضاؤه، وخذلته ركبتاه. أدار الهاتف فى فزع. ليتها ترد بسرعة. سيحاول أن يقنعها بأن تعود. ولكن من أدراه أن حتفها فى العودة، وليس فى الذهاب! فليتماسك. فرويد أكّد أنه لا قدرة تنبؤية للحلم. «يوسف أيها الصديق أفتنا فى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف». ما زال الرنين متصلا. وما زالت لم ترد! رباه! رباه.

المصدر المصري اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.