د.أيمن الجندى يكتب| التوفيق

د.-أيمن-الجندى1

كتبتُ منذ أيام عن «التوفيق»، ومازلت أشعر بأن الأمر يستحق المزيد من التأمل والكتابة. «التوفيق» نوع من اللطف الخفى، ممكن ألّا ينتبه الإنسان إلى حدوثه. ربّ مستثمر ناجح عانى من صعوبات البدايات. ثم فجأة فتح الله له، وحقق نجاحات باهرة. وقتها يكون الاختبار الحقيقى لمعدنه: هل يعتبر ما هو فيه من النعمة نجاحا استحقه بمهارته؟ أم يفطن أن توفيق الله كان هو السبب الأول؟ وبدونه ربما كان الآن فى حال آخر!

يطمح الإنسان غالبا إلى النعمة الظاهرة. فيحب أن يكون غنيا. ويحب أن يكون قويا. ولكنه يغفل عن اللطف الخفى الذى يمنع آلاف المصائب المُمكنة.

التوفيق نعمة عظمى لا يشعر بها إلا من حرمها. ولو نزعها الله بالكامل من حياة إنسان فإنه يسخط ويصير للكفر أقرب. من منا يتحمل أن يُنزع التوفيق من حياته فتصير له فى كل لحظة مشكلة! والذى خبر الحياة وعرف أحوالها المتغيرة يحذر من تقلباتها. فكم شاهدنا القوى وقد صار ضعيفا! والغنى وقد صار فقيرا! والجميلة وقد صارت عادية! وكل واحد فينا حين يخرج من بيته فإنه يصير معرضا لآلاف المصائب. بعضها تافه ولكنه يكدّر الحياة. وبعضها جللٌ يغير مصيرك إلى الأبد. من الوارد أن تنزلق قدمك على الدرج؟ أو يتوقف المصعد وأنت داخله! أو تشاهد القمامة منثورة على السلالم فتكدرك، أو ترى قطة مذبوحة أمام شقة فيفسد يومك بأكمله (كلها أشياء حدثت لى بالمناسبة).

وارد تماما ألا يستجيب محرك سيارتك، أو تجد الإطار مثقوبا، أو تصطدم سيارتك بسيارة أخرى وتسمع ما لا يسرك. أو تؤذى إنسانا بغير قصد. أو تأخذ مخالفة مرورية.

من الوارد أن تتسخ ثيابك! أو تسقط محفظتك! أو تنكسر نظارتك! أو تفقد أوراقا مهمة! أو تحدث مشكلة فى العمل! أو تُرفد منه نهائيا! أو تتشاجر مع زملائك! أو يكدرك رئيسك! أو تشتبك مع الجمهور! أو يُطلب منك عملا إضافيا لحظة تعجلك للذهاب.

ومن الممكن أن تحدث مصائب أكثر. تتزوج من أسرة مشاكسة (صديق لى رفعت طليقته عليه ثمانين قضية. كان روتين حياته اليومى أن يقضى الصباح فى المحكمة، والظهر فى قسم الشرطة، ثم يختم الأمسية مع المحامى. واستمر هذا السيناريو خمسة أعوام متتالية، حتى صار يخشى المرور من شارعها!!).

من الممكن أن تُرزأ فى أبنائك! أو تصيب أحدهم مصيبة! أو يتعاطى المخدرات! أو يتعرف على رفقاء السوء فيهدم مستقبله.

لا يمكن إحصاء كمّ المشاكل التى يمكن أن يتعرض لها المرء فى الحياة، فإذا عافاك الله منها، فاحمده! ثم اعلم أن حمدك له نعمة تستحق الحمد، فاحمده مرة أخرى.

«التوفيق» أن تصل إلى المراد من أقرب رمية.أن يوفّر الله تعالى عليك صعوبات جمة. أن تظفر بالمراد دون الدخول فى مغامرات مهلكة. أن يُنعم عليك بالستر رغم قلة دخلك فلا يفضحك ولا يكشفك.أن تتزوج امرأة هادئة من أسرة طيبة تعينك على نوائب الدهر.أن يبارك الله لك فى أولادك، وينعم عليك بنعمة الصحة. والأهم أن تمر رحلة حياتك بدون مصائب كبرى أو محن مزلزلة.

اللهم إن نزعتَ عنا التوفيق لم نتحملْ وصرنا إلى الكفر أقرب! اللهم ارأف بضعفنا فأنت بحالنا أعلم.

المصدر: جريدة المصري اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.