د. أيمن الجندى يكتب| سايكو

د.-أيمن-الجندى1

دخل الرجال يحملون الصندوق على أعناقهم. ولمعت نظرة فضولية فى عيونهم وكأنهم يتساءلون عما يحتويه الصندوق. بمجرد أن صفقوا الباب خلفهم، حتى أسرع يفض الورق المقوى بأصابع مضطربة. وأخيرا انزاح الغطاء عن أجمل امرأة فى العالم.

■ ■ ■

قصير القامة، مُحدودب الظهر، مُعذّب العينين. لا يخطر على بال أحد أن خلف هيكله البائس تكمن روح شديدة الرهافة. منذ طفولته أدرك أنه مختلف. كان الأطفال الساديون يعايرونه بقامته المتقزمة ويمرّغونه فى التراب. ولطالما فاضت دموعه على وسادته وهو يدعو ربه بحرارة أن يستيقظ فى الصباح التالى وقد صار طبيعيا مثل سائر الأطفال. يستيقظ من النوم متوهجا بالأمل ثم ينطفئ تماما حينما يشاهد نفسه فى المرآة. واستمر به الحال حتى مراهقته، حينما صار أقرانه ينمون بسرعة. وقتها أدرك أنه سيقضى رحلة حياته فى هذا الجسد المعوق، وعليه أن يتقبل هذا.

المشكلة كانت فى الخبرات المروّعة التى شرع يكتسبها. أدرك من تجاربه المتتالية أن معظم الناس فاقدو الثقة بأنفسهم، ولذلك يكتسبون الثقة بالسخرية من الآخرين. ومن أحق منه بالسخرية! وكلما حاول أن يتقبل أقداره يغمزه أحدهم بكلمة جارحة فيشارك الآخرين الضحك حتى تبدو كمزحة. وما زاد العذاب عذابا أن هرموناته الخائنة صارت تلهب جسده برغبة حارقة صوب النساء. كان مستعدا أن يصالح أقداره لو وجد امرأة واحدة تنظر إليه كرجل! لكن الحنان المسموم الذى كان يتلقاه منهن، باعتباره ذكراً غير ذى خطر، كان أشد عليه من سخرية الرجال.

■ ■ ■

أخرجها من الصندوق فى رهبة، وشرع يتأملها. مشرقة الوجه، صافية العينين، مبتهجة وكأنها تشاهد رجل أحلامها. تلمّسها فى وجل فوجدها ناعمة البشرة كحرير دمشقى. وجهها قوس قزح وفستانها زينة السماء. دُمية ولكن حقيقية أكثر من سائر النساء.

المصادفة وحدها هى من جعلته يعرف بوجود هذه الدُمى التى تبدو كامرأة. لكن الحصول عليها كان غير قانونى وكلّفه مبلغا باهظا، ناءت به ميزانيته المحدودة. لكنه كان السبيل الوحيد أمامه لتجنّب الاكتئاب.

منذ ذلك اليوم تبدلت حياته تماما. لم يعد يخرج من البيت إلا للعمل. صار يجالسها ويتحدث معها، فإذا جن الليل حملها إلى مخدعه كامرأة حقيقية، وهناك يفعل ما يشاء.

■ ■ ■

كان من الممكن أن يستمر الأمر لولا عبوس وجهها كلما اقترب. أتراها تضيق به؟ تتمنى لو حازها رجل غيره! لا يستطيع أن يتقبل فكرة أنها جماد! وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تنطفئ ملامحها كلما حملها إلى مخدعه. لماذا تبدو مغلوبة على أمرها وكأنه يغتصبها؟. أفلتت أعصابه فانهال عليها بالضرب، ثم انخرط فى البكاء.

شرع ينزلق إلى هاوية الجنون دون أن يعلم. وفجأة جاءه زميله فى العمل ليطمئن عليه بعد غياب ثلاثة أيام. دخل يحمل قامته الفارعة وسحر رجولته، وهناك وجدها جالسة على المقعد. أجفل زميله فى البداية ثم مازحه بنكات بذيئة حين فهم الأمر. وحين مد يده وتحسس فخذها المرمرى، أحس كأن حية تلدغه، وما زاد جنونه أنه شاهد وجهها يشرق بالسرور.

والتزم الصمت تماما حتى ضاق زميله بالصمت وهمّ بالنهوض. وبعين زائغة شاهدها تنهض لتتبعه. ولم يفهم زميله ما حدث حين انتفض ثائرا، ولا حين أحضر سكيناً من المطبخ وحاول أن يطعنه بها، ولا صدّق عينيه حين شرع يطعن الدمية ويشوه وجهها الذى ما بارح الابتسام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.