د. أيمن الجندى يكتب| عن أغرب الأشياء التى تحدث قبيل الوفاة

د.-أيمن-الجندى1

هؤلاء الذين يموتون فجأة، ويتحيّر الأطباء فى كتابة تقرير الوفاة. يتردد القلم فى أيديهم وهم يكتبون:«سكتة قلبية مفاجئة». أو «هبوط مفاجئ فى الدورة الدموية والتنفسية». وهم يعلمون يفسرون الماء بالماء! القلب توقف فلماذا توقف؟ التنفس تعثر فلماذا تعثر؟. ويبقى اللغز قائما: ما الذى شاهدوه فى آخر لحظة، وتعذرت بعده الحياة؟!.

حينما عاد إلى بيته لم يكن يعلم أنه بعد قليل سوف يصبح واحدا من هؤلاء. سوف تدخل زوجته بعد قليل إلى الغرفة فتجده مُمدّدا على الأرض مُمسكا بصدره وقد فارق الحياة. فى الصباح التالى، حينما ينتشر الخبر، سوف يضرب الزملاء كفا على كف. مات! كان معنا بالأمس بصحة طيبة فكيف مات!.

كل هذا سيحدث فيما بعد. أما الآن فهو يجلس فى غرفة الجلوس مرتديا البيجامة، وهو يشاهد التليفزيون. كان وحده فى الغرفة تماما حينما وجد زوجته تظهر فجأة داخل الغرفة الموصدة الأبواب! لم يدر كيف دخلت ومتى! وأحس أيضا أنها لا تشعر بوجوده. تسير بجانبه ولكنها لا تراه.

بعد لحظة رأى الشىء الذى لم يتصور أنه سيشاهده فى حياته. رأى نفسه يدخل الغرفة ولكن بثياب الخروج. وكأنه يعيد المشهد الذى حدث منذ ساعة واحدة. ثم يضع الحقيبة بجوار المنضدة، ويغادر الغرفة فى هدوء.

قبل أن يفيق من دهشته شاهد نفسه يدخل الغرفة مرة أخرى وهو يحمل طبق الغذاء. وبعدها شاهد نفسه يخرج حاملا الطبق لغسل يديه. رباه! لماذا تتكرر المشاهد، الواحد تلو الآخر، نسخ عديدة من نفسه، ولا تشاهد إحداها الأخرى.

لحظة ودخل ابنه حاملا طبق فاكهة تناولوها بالأمس. بعدها ظهر صديقه الذى زاره منذ يومين. وتوالى ظهور مئات النسخ منه، وازدحمت غرفة الجلوس بشكل غير مسبوق.

نظر حوله فى رعب! عدد الموجودين بالغرفة يفوق المائة. ما الذى يحدث بالضبط؟ هل حدث شرخ فى جدار الزمن، الذى يفصل الأزمنة عن بعضها فتداخلت فى نفس المكان.

انتفض قائما محاولا الهرب. لكن الثغرة راحت تتسع. اصطدم بآلاف النسخ التى راحت تتوالى. هو بالأمس وقبل الأمس وفى الأسبوع الماضى ومنذ شهور وسنين. كلها تظهر من الماضى بغتة وتتشارك الجلوس. وبدأ يظهر السكان القدامى الذين سكنوا هذا البيت من قبله، ثم اختفت الجدران وارتفعت بيوت وزالت بيوت. ثم تراجع الزمن أكثر وشاهد النباتات تنمو حوله، والأشجار تنتصب، حينما كان هذا البيت جزءا من أرض زراعية قبل أن يتم البناء عليها. ثم شاهد الرمال تتراكم فى أنحاء الغرفة. ثم مستنقعات مبللة وطائر عجيب، الشكل يحط على أرض الغرفة فى هدوء. ثم لطمته موجة مالحة فأدرك أن هذه الغرفة كانت يوما جزءا من قاع البحر عند بدء الخليقة.

كل ذلك حدث فى ومضة خاطفة وهو يتحاشى التصادم بمن حوله ويحاول الخروج. تكدست الغرفة بملايين الذين قطنوها فى يوم ما. وقع على الأرض ممسكا بصدره. انسحب الهواء من رئتيه، وأحس أنه يختنق. شعر بضغط هائل على قلبه وروحه، فأدرك أنه يموت.

وفى اللحظة الأخيرة، وهو منكب على أرض الغرفة، ممسكا بصدره فى فزع، توطئة لأن يتوقف قلبه نهائيا، تمنى لو استطاع أن يحكى عن أغرب الأشياء التى تحدث للبشر قبل أن يفارقوا الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.