د. أيمن الجندى يكتب| معايير واحدة

د.-أيمن-الجندى1

هذا مقال يغرد خارج السرب. ولكنى أرجوك أن تتمهل وتقرأه بالكامل. أرجو أن يذكر السادة القراء أننى فى اليوم التالى مباشرة لعزل مرسى نشرتُ مقالا بعنوان «ما بعد مرسى»، وفيه اقترحت أن يتولى السيسى رئاسة الجمهورية لفترة مؤقتة لا تتعدى العامين، نظرا للاضطرابات المتوقع حدوثها، ولأن تولّى رجل عسكرى رئاسة البلاد يُعتبر ترضية مناسبة للشرطة التى يبدو واضحا أنها تعاقبنا. هذا يدل على أننى- من حيث المبدأ- لم أكن معترضا على عزل مرسى، وأراه- وما زلت أراه- غير جدير بحكم بلد بحجم مصر.

كان هذا منذ مائة يوم ولم يكن هناك قتلى قد سقطوا بعد. بعدها تغير موقفى تماما. من حق القراء تماما أن يعرفوا حقيقة ما يعتقده الكاتب دون التباس. وأنا أرى أن استخدام القوة قد تم بصورة مفرطة، وأن هناك دماء محترمة- عند الله وعند القانون- قد تم سفكها، حتى لو كان الإخوان أسوأ من فى العالم فإن ذلك لا يبيح قتلهم. كتبتُ ذلك عدة مرات، وأتاحت لى جريدة «المصرى اليوم» أن أقول ما اعتقده بحق، فلها الشكر لأنها أثبتت -فى الأوقات الصعبة- أنها تؤمن بحرية الرأى.

على أننى برغم ذلك أشعر بالهوان والضعة. بل أكاد أشعر بالاحتقار لنفسى. لأن المعايير التى أدنت بها مرسى لم أستطع استخدامها الآن بنفس القوة. أتخيل لو أن مرسى كان قد اعتقل المعارضين له هل كنت سأسكت؟ ولكننى سكتُ حين تم القبض على أساتذة جامعيين لا يتصور منهم حمل السلاح أو التحريض على العنف. لم أسكت أنا وحدى ولكن الجميع سكتْ. كل يحاذر على لقمة العيش. أين وزير التعليم العالى وأين رؤساء الجامعات؟ أليس من حقنا على الأقل أن نعرف أين ذهبوا وماذا كان جرمهم؟.

شىء آخر أود الإشارة إليه. برغم أننى أتمنى أن تستقر الأمور وتتوقف المظاهرات، التى لم تهدف منذ خلع مبارك إلى صالح البلاد، فإننى لا أملك إلا أن أشعر بغصة إذا صمت عن قانون التظاهر الذى تزمع الحكومة إصداره. أزاحوا مرسى بالتظاهر واليوم يجرمونه؟ تصوروا لو فعل مرسى هذا ماذا كنت سأكتب وقتها؟ لن أستطيع أن احترم نفسى إلا إذا كانت المعايير واحدة.

لقد دفع المصريون ثمنا غاليا فى اكتساب الحريات، ويجب أن نحافظ عليها كرامة لأرواح الشهداء على الأقل. لا يعنى هذا أننى أؤيد الإخوان أو التمس لهم أى عذر. ما زال رأيى كما هو أن ضرر جماعة الإخوان أكبر من نفعها بمراحل، وأن أفضل شىء يصنعونه لمصر أن تنتهى الجماعة. أنا لم أفقد الذاكرة ولم أنس أن الإخوان خذلوا الثوار وقت قوتهم. لم أنس أنهم أساءوا إلى بعجرفة بالغة، لم أنس أنهم حاولوا استخدام مؤسسات النظام القديم لصالحهم فانقلبت عليهم. لم أنس أنهم لم يفعلوا أى شىء فيه خير لمصر.

ولكننى لم أنس أيضا أننى سأحاسب أمام الله. وسيسألنى لماذا سكتُ؟ وها أنا ذا أُبرئ الذمة. يوجد تراجع فى الحريات لا شك فيه، وتوجد معايير مختلفة فى تقييم عهد مرسى والعهد الحالى. أرجوكم صححوا أنفسكم. أرجوكم اصنعوا أى شىء.

المصدر جريدة المصري اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.