عمرو الشوبكى يكتب | الشرعية الجديدة

عمرو الشوبكى يكتب | الشرعية الجديدة

عمرو-الشوبكى

أذكر حين بدأت رحلتى إلى فرنسا عام 1989 تزامنت معها أحداث الجزائر التى تابعتها عن قرب، فقد أعقبت انتفاضة شعبية واسعة شهدتها البلاد فى 4 أكتوبر 1988، وتلتها الانتخابات البرلمانية المجهضة عام 1991 حين شارف حكم جبهة الإنقاذ الإسلامية على الوصول للسلطة حاملا شعارا تاريخيا «سنصل إلى الحكم وإن شاء الله ستكون آخر انتخابات تشهدها البلاد»، كما قال على بلحاج، زعيم الجبهة الإسلامية، فتدخلت الدولة وتدخل الجيش بشكل مباشر، وأوقفت العملية الانتخابية ودخلت البلاد فيما عرف بـ«العشرية السوداء»، وشهدت ما يشبه الحرب الأهلية بين الدولة والفصائل الإسلامية المسلحة راح حينها 100 ألف قتيل، وارتكبت مذابح كثيرة كان للفصائل المسلحة نصيب الأسد فيها، ودون أن يعنى ذلك عدم تورط الدولة فى بعضها.

وقد تأسست الدولة الجديدة والنظام السياسى الجديد فى الجزائر على شرعية مواجهة الإرهاب والحفاظ على الدولة، وهى شرعية مواجهة حقيقية دعمها قطاع واسع من الشعب الجزائرى فى مواجهة جماعات تكفيرية مارست جرائم عنف وقتل غير مسبوقة فى تاريخ الجزائر والعالم العربى.

والحقيقة أن شرعية مواجهة الإرهاب التى لم يندم معظم الشعب الجزائرى، فى وقتها، على إعطائها للنظام الجديد، لم تعد قادرة على الصمود أمام إصرار الدولة على التمسك بالرئيس الحالى بوتفليقة كمرشح لها لمدة رئاسية خامسة رغم مرضه الشديد.

والمؤكد أن الرجل يستند فى شرعيته على ماض نضالى كبير، حين كان واحدا من أبرز قادة جبهة التحرير الجزائرية فى محاربة الاستعمار الفرنسى، وحين وصل للحكم لعب دورا كبيرا فى إنهاء الاقتتال الأهلى بوضع أسس جديدة للعفو والمصالحة الوطنية، ولكن هذا لا يعنى امتلاكه شرعية البقاء الأبدى فى السلطة.

ولذا أذكر حين كنت أتحدث مع أصدقاء جزائريين فى أعقاب انتفاضة 1988، واعتبروا أن اعتماد من فى الحكم، طوال 3 عقود، على شرعية النضال ضد الاستعمار كمبرر للبقاء الأبدى فى السلطة لم يعد مقبولا، وأن أحد أسباب هذه الاحتجاجات كان تشقق هذه الشرعية، وأن ما تشهده البلاد اليوم من احتجاجات ضد ترشح الرئيس بوتفليقة يدل على أن «الشرعيات التاريخية» لا يمكن أن تكون مصدر شرعية دائمة، ولا يجب أن تكون مبررا لاحتكار السلطة، أو فرض وصاية دائمة على الناس.

معضلة كثير من بلاد العالم العربى- ومنها مصر والجزائر التى خاضت فيها دولها الوطنية معارك شرسة (بوسائل مختلفة) ضد الاستعمار وتبنت فى مرحلة سابقة خطاب التحرر الوطنى- أنها ظلت فى حاجة لتجديد هذه الشرعية ووضعها فى قالب ديمقراطى حديث، صحيح أن تحديات كثيرة فى الداخل، ومنها الإرهاب وجماعات العنف الدينى، عطلت من هذا التحول، إلا أنه من المؤكد، ونحن نشهد الآن جولة أخرى فى مصر من الحرب ضد الإرهاب، أننا فى حاجة إلى معرفة أن شرعية مواجهة الإرهاب لن تبنى بمفردها نظاما سياسيا قادرا على البقاء. وكما كانت هناك شرعية تاريخية لخطاب التحرر الوطنى الذى مثل وجها ناصعا من تاريخنا الوطنى، إلا أنه لم يعد ممكنا أن تقول للأجيال الجديدة اصمتوا لأن آباءكم وأجدادكم حاربوا الاستعمار، ونفس الأمر ينسحب على ما يجرى الآن فى مصر، فلن تستطيع أن تقول للجديد اصمت لأن الجيش أنقذك من حكم الإخوان، فلابد أن تؤسس لشرعية جديدة تنطلق من مبادئ الدولة الوطنية ومن تاريخها الإيجابى، وليس من مشاريع تفكيكها وهدمها على رؤوس شعبها، وأن هذه المبادئ يجب أن تكون ديمقراطية وقادرة على الاستجابة لتحديات العصر بأساليب العصر أيضا.

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.