عمرو الشوبكى يكتب | بين المسارين

عمرو الشوبكى يكتب | بين المسارين

عمرو-الشوبكى

هناك من يكرر أن أفضل ما جرى فى مصر هو وصول الإخوان للسلطة وانكشافهم أمام أغلب الشعب، وسقوطهم السريع بعد عام من حكم البلاد، ويعتبر أن هذا المسار هو أفضل ما جرى لأنه قضى على شعبيتهم أمام أغلب الرأى العام، وإنه لو كان قد فاز المرشح أحمد شفيق فى انتخابات الرئاسة لكان الإخوان استمروا فى لعب دور الضحية، وأفشلوا النظام الجديد /القديم واعتبروه جزءا من نظام مبارك، ووصلوا للسلطة آجلا أم عاجلا وهم مرتدون ثوب النضال والثورة ضد النظام القديم.

والحقيقة أن نظرية انكشاف الإخوان، وأن ما جرى هو السيناريو الوحيد أو الأفضل أمر يحتاج إلى مراجعة وتدقيق، لأن هذا التيار لن يختفى ولن يغيب عن الحياة السياسية والاجتماعية، والأهم تصور أن وصولهم للسلطة بهذه الطريقة التى لم توضع فيها أى قواعد دستورية وقانونية مسبقة أمر أفضل من تأجيل هذا الوصول حتى توضع هذه القواعد والضمانات أولاً، ويتحول جزء من هذا التيار إلى حزب سياسى لديه مرجعية حضارية إسلامية تؤمن أو تضطر لأن تؤمن بالدستور المدنى ودولة القانون، وليس جماعة عقائدية إخوانية مغلقة هدفها التمكين والحكم الأبدى.

والمؤكد أن تسويق فكرة أن المسار الحالى الذى تمثل فى وصول الإخوان للسلطة دون أى قواعد أو ضمانات مسبقة هو أفضل ما جرى لمصر لأنه «كشفهم»، أمر يخفى السلبيات الحقيقية التى حكمت إدارة مسارنا السياسى منذ ثورة يناير، وأخطاء القوى المدنية والمجلس العسكرى فى التعامل مع هذه المرحلة، وأدت فى النهاية إلى وصول الإخوان للسلطة بهذه الطريقة وسقوطهم عقب انتفاضة شعبية وتدخل عسكرى ستظل له تداعياته لفترة طويلة على استقرار هذا البلد، وهذا لا يعنى أن المسار الأمثل لم يكن فى ترك الإخوان فى السلطة ليحكموا 500 عام ويحولوا مصر إلى سودان أو عراق أو أفغانستان أخرى، إنما فى ربط وصولهم للسلطة باحترام الدستور المدنى الموضوع سلفا ومبادئ دولة القانون والديمقراطية، وتقديم تنازلات جراحية قاسية تجعلهم يعيدون تأسيس أنفسهم من جديد وتقديم منتج سياسى لا علاقة له بصيغة الجماعة الدينية.

والحقيقة أن هذا المسار الثانى يقوم على فكرة الدمج الآمن للتيار الإسلامى وتفكيك الفكرة الإخوانية تنظيميا بفصل الجماعة الدينية عن الحزب السياسى، وإخضاع الاثنين لقوانين الدولة الوطنية المدنية.

إن ما كتبته على مدار عشرين عاما (الدراسة الأولى فى التقرير الاستراتيجى العربى الصادر عن مركز دراسات الأهرام فى 1994 حملت عنوان «الحركة الإسلامية بين صعوبة الدمج واستحالة الاستئصال، وإسلاميون وديمقراطيون، وأزمة الإخوان المسلمين، ومستقبل الإخوان المسلمين، والإخوان المسلمون من الجذور إلى اليوم»، الصادر فى فرنسا عن دار كارتلا 2009)، كان فى اتجاه ضرورة إحداث «دمج آمن» للتيارات الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان، ووضعت مجموعة من الشروط لنجاح هذا «الدمج الآمن» غابت طوال المرحلة الانتقالية، فكان وصول الإخوان للسلطة دون الالتزام بهذه الشروط يعنى فشلا مؤكدا لتجربتهم، خاصة بعد أن سارت الجماعة عكس كل مسارات النجاح فى العالم كله وتعاملت مع السلطة باعتبارها مغنما، فكان السقوط مدويا.

والحقيقة أن فلسفة الدمج الآمن تقوم على الاعتراف بأن التيارات الإسلامية، وفى القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، لديها مشكلة فى بنيتها الأيديولوجية، فهى ليست مجرد حزب سياسى راديكالى أو ثورى يتم استيعابه فى العملية الديمقراطية كما جرى مع أحزاب يسارية وشيوعية أو يمينية متطرفة، إنما هى جماعة تقوم على السمع والطاعة، ولديها بنية تنظيمية خاصة لا تسمح لأى شخص بأن يكون عضوا بها إلا بعد التزامه ببرامج التربية العقائدية المتدرجة داخل الجماعة، وتنقله من عضو محب أو أخ منتسب إلى عضو عامل منتظم وملتزم بالسمع والطاعة (يقدرون بما يقرب من مائة ألف عضو عامل).

إن فكرة الدمج الآمن تقوم على ضرورة وجود نظام سياسى قوى وكفء، ومؤسسات دولة قوية تفرض شروطها على هذا التنظيم وتفكك بنيته الداخلية تدريجيا حتى يصبح دخوله فى العملية السياسية وفق شروط مسبقة موضوعة سلفا وليس وفق شروطه هو.

والحقيقة أن ما جرى فى مصر هو عكس هذه الرؤية تماما، فقد حدثت ثورة 25 يناير، وتُرك لجماعة الإخوان المسلمين الحق فى العمل والانتشار وفتح مقار فى كل المحافظات دون أن تسجل كجمعية أهلية تخضع لرقابة مؤسسات الدولة، إنما بدت وكأنها جماعة فوق الدولة والقانون، حتى وصلت للسلطة دون أن تلتزم بدستور مسبق، إنما كتبت دستورا على مقاس الجماعة وأهدافها.

هذا المسار الذى اعتبره البعض كشف الإخوان أمام الشعب عطّل بلا أدنى شك عملية الانتقال الديمقراطى، لأن نتيجته العملية هى فشل الناس فى أول اختيار ديمقراطى لهم بانتخابهم رئيسا إخوانيا، وأيضا وجود كتلة من أنصار الإخوان ترفض أن تعارض المسار الحالى وتصر على إفشاله، فى حين أن الجماعة قبلت أن تنحنى أمام نظام مبارك ولا تواجهه مباشرة، لأنها كانت بعيدة عن السلطة وتعيش مرحلة الاستضعاف، ولم تذق السلطة ومغريات الاقتراب من مشروع التمكين.

والمؤكد أن المسار الثانى (الدمج الآمن) الذى غاب عن الحالة المصرية نجح فى تجارب أخرى، مثل تركيا والمغرب وتونس، فتركيا نجحت كتجربة سياسية، ولو بالمعنى النسبى، بصرف النظر عن تعثر أردوجان الأخير (قد يكون البديل التيار الإصلاحى داخل حزبه الذى يمثله الرئيس عبدالله جول)، والذى يعود إلى أن حزب العدالة والتنمية وصل للسلطة وفق القواعد الدستورية والقانونية للجمهورية التركية، واحترمها والتزم بها، ويعلن كل يوم إيمانه بجمهورية أتاتورك، ولم يقل عليها مثلما قال مرسى على مؤسس الجمهورية المصرية جمال عبدالناصر «الستينيات وما أدراك ما الستينيات!»، نفس الأمر ينسحب على المغرب التى مثلت السلطة الملكية فيها، على الرغم من عدم ديمقراطيتها الكاملة، حائط صد دستوريا وقانونيا ومجتمعيا أمام حزب العدالة والتنمية الحاكم والمنتمى للتيار الإسلامى، وجعلته جزءا من حالة سياسية مستقرة ونظام سياسى لدولة عريقة.

أما تونس، فقد انطلق حزب النهضة (مثل تجربتى تركيا والمغرب) من كونه حزبا سياسيا وليس جماعة دينية مثلما جرى فى مصر، وهو ما مثل عاملا رئيسيا وراء نجاح تجربته فى الاندماج السياسى ولو بصعوبة، فقد قبل منذ اليوم الأول (على خلاف تجربة الإخوان) أن يقدم تنازلات للقوى المدنية المعارضة، وكان سقوط الإخوان فى مصر عاملا مساعدا وراء القبول بهذه التنازلات.

نجحت تركيا والمغرب وتونس وفشلت مصر فى تجربة الدمج الآمن للإسلام السياسى، لأن ما جرى بعد ثورة 25 يناير كان عبارة عن مشروع تفكيك متتالٍ لكل ما له علاقة بالدولة المصرية، فتم إسقاط دستور 71، وبالتالى تم إسقاط حجر الأساس الأول أمام إحداث دمج آمن للتيار الإسلامى، بإجبارهم على الالتزام بدستور البلاد 71 (المعدل)، والذى كتبه فقهاء القانون الدستورى المدنى، أو وضع دستور مدنى جديد، فوصلوا للسلطة والبلد بلا دستور ولا قوانين عادلة، متوافق عليها، تنظم الحياة السياسية.

ربما لو كان قد وصل حزب سياسى للسلطة، جذوره الفكرية إسلامية، ومنفصل عن أى جماعة دعوية ودينية، وكان فى البلد دستور مدنى قائم على احترام قواعد الديمقراطية والمواطنة، ونظام جمهورى هو مصدر الشرعية، وجيش ضامن لهذه القواعد، لكان ربما المشهد أفضل مما جرى.

وبما أن ما حدث قد حدث، فإن علينا ألا نتصور اختفاء التيار الإسلامى، إنما علينا أن نعتبر أن أساس بناء الديمقراطية فى مصر هو الدستور ودولة القانون، وإجبار الجميع على الالتزام بهما، لا ترك فصيل يصوغهما على مقاسه مثلما فعل الإخوان، وهذا هو المسار المضمون بين المسارين، أن نربى الأجيال الجديدة على الإيمان بالدولة الوطنية الديمقراطية وبالدستور المدنى والنظام الجمهورى، ونعمل أن يكون حائط الصد أمام التطرف الدينى هو دولة قوية وشعب واع.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.