عمرو حمزاوى يكتب | استباحة القانون والإنسانية

عمرو حمزاوى يكتب |  استباحة القانون والإنسانية

عمرو حمزاوي

إذن ليست انتهاكات حقوق الإنسان والحريات وممارسات التعذيب والاعتقال والإجراءات الاستثنائية هى بمفردها التى تعيد الأجهزة الأمنية إنتاجها، بل ها هى استباحة القانون تصل إلى وضعية كارثية جسدتها خلال الأشهر الماضية حوادث مثل حادثة سيارة ترحيلات أبوزعبل التى قتل بها ٣٧ سجينا وتعود الآن إلى الواجهة مع حادثة غرفة حجز قسم إمبابة التى قتل بها أمين شرطة أحد المواطنين المحتجزين من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين.

يستباح القانون، وبعض الذين يتعين عليهم السهر على احترامه وتطبيقه وحماية الحقوق والحريات التى يقرها يتحولون إلى جلادين ومتورطين فى التعذيب ومنفذين تلقائيين لأحكام إعدام جماعية (أبوزعبل) أو فردية (قسم إمبابة) دون إجراءات تقاضى ودون ضمانات عدالة.

ليس فقط القانون الذى يستباح وليست فقط الحقوق والحريات التى تنتهك، بل تستباح الإنسانية وتنتهك قيمها فى بيئة مجتمعية وإعلامية باتت تنضح بالكثير من الملامح الفاشية – كما أشرت بانتظام منذ يوليو ٢٠١٣.

نزعت ثنائية «إما معنا أو ضدنا» التى روج لها خلال الأشهر الماضية المكون العسكرى ــ الأمنى الحاكم ودعمته وسائل الإعلام العامة أو الخاصة التى تملكها دوائر اقتصادية ومالية حليفة الإنسانية عن «العدو» الإخوانى، وبررت من ثم للتورط فى العقاب الجماعى «ضدهم جميعا» دون تمييز بين ممارسين / محرضين على العنف وبين مواطنين مسالمين لم يحملوا السلاح أو تدفعهم معارضتهم لترتيبات الحكم الراهنة إلى قبول الأعمال الإرهابية.

أجهزت هيستريا التخوين والتشويه وادعاء حق احتكار الحديث باسم الوطنية وفرض الصوت الواحد والرأى الواحد التى دفعت بها إلى الواجهة المجتمعية والإعلامية أسراب طيور ظلام المرحلة من مفكرين وكتاب وسياسيين على كل إمكانية للتعامل مع انتهاكات الحقوق والحريات دون معايير مزدوجة، وللمزج بين رفض الإرهاب والعنف ورفض العنف الرسمى الذى تتورط به مؤسسات الدولة، وللمطالبة بالمساءلة والمحاسبة عن الخروج على القانون واستباحته اعتقالا وحبسا وتعذيبا وقتلا لكى تتوقف الانتهاكات ويجبر الضرر (تفعيل منظومة متكاملة العدالة الانتقالية).

قضت الأصوات الفكرية والسياسية والإعلامية التى مهدت لإعادة إنتاج الاستبداد بتزييف وعى الناس وترهيبهم (مصر فى خطر) وترغيبهم (الاستقرار القادم) لقبول مقايضة الخبز والأمن بالحرية ولتأييد اختزال الوطن فى شخص واحد (مرشح الضرورة والبطل المخلص) على الكثير من الفرص الفعلية للدفاع عن الحقوق والحريات التى تحولت إلى ترف وعن الكرامة والقيم الإنسانية التى اختصرت ويا للأسف إلى السير مع الجموع والتهليل للمخلص واستساغة ممارسات العقاب الجماعى وخطابات الكراهية.

هؤلاء جميعا يتحملون المسئولية الأخلاقية والمجتمعية والسياسية عن استباحة القانون والإنسانية، ولن تعفيهم منها فى ميزان التاريخ وأمام الضمير الجماعى للوطن لا الأعمال الإرهابية ولا ممارسات العنف التى تهدد الدولة والمجتمع وتستبيح أيضا القانون والإنسانية ويعلم القاصى قبل الدانى رفضى لها وإيمانى بأن مواجهتها الناجحة لن تحدث إلا باستعادة القانون (الحل الأمنى الملتزم بضمانات الحقوق والحريات) والإنسانية (مجتمع العيش المشترك والسلم الأهلى والتعددية والإدارة السلمية للاختلاف).

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.