عمرو حمزاوى يكتب | عن موت من هم فى وسط الحياة

عمرو حمزاوى يكتب | عن موت من هم فى وسط الحياة

عمرو حمزاوي

الموت كبير / نحن ثغره المبتسم / عندما نظن أننا فى وسط الحياة، يتجرأ هو على البكاء فى وسطنا.. راينر ماريا ريلكه (ترجمة الكاتب من اللغة الألمانية).

والموت يعشق مباغتة من هم فى وسط الحياة، اليوم باسم صبرى ومن قبله سامر سليمان (أستاذ الاقتصاد السياسى بالجامعة الأمريكية فى القاهرة) وحسام تمام (الباحث فى شئون الدين والدولة والسياسة). والموت يجردهم من أحلامهم ــ المجتمع الأفضل والسياسة المتسامحة / الكتاب المدون للمبادئ وللقيم وللأفكار والأمين عليها / الورقة البحثية الجديدة والرصينة، ينزع عنهم أدواتهم ــ إعمال النظر / الملاحظة / التسجيل / التحليل / الاشتباك مع الواقع / التنادى إلى الحق والحرية / المراجعة / التفكير ثم التفكير ثم التفكير، يفرض عليهم الصمت رفيقا وحيدا والسكون بديلا لحيوية علاقتنا بهم أو متابعتنا لهم.

وأريد أن أحيا.. فلى عمل على ظهر السفينة.. لا لأنقذ طائرا من جوعنا أو من دوار البحر، بل لأشاهد الطوفان عن كثب.. وماذا بعد؟ ماذا يفعل الناجون بالأرض العتيقة؟ هل يعيدون الحكاية؟ ما البداية؟ ما النهاية؟ لم يعد أحد من الموتى ليخبرنا الحقيقة.. محمود درويش.

•••

والموت لا يستأذن، لا من أصحاب الحقائق المطلقة ولا من المتشككين فى كل حقيقة ولا من الذين اعتادت عقولهم وضمائرهم رفض المسلّمات والبحث الدائم عن الحقيقة وقبول الاختلاف. والموت يوجع دوما، إلا أنه يدمى الجماعات والمجتمعات حين يباغت بها وفى لحظات الأزمة / التعثر / التراجع / الهيستريا الجماعية / انتحار العقل / غياب التوافق والسلم الأهلى العقول القليلة التى تتشبث بمبادئ وقيم الإنسانية للنجاة من طوفان الكراهية والصراع وتناقضات أصحاب الحقائق المطلقة والراغبين فى الحكم / السلطة / الثروة وليقدموا لنا بعض الإجابات أو بعض مقدمات الإجابة على سؤال البشرية المتكرر أبدا، والآن ماذا بعد؟ والموت يوجع دوما، إلا أنه يميد بالأرض من تحت الأقدام حين يحيل أصحاب الضمائر التى اجتهدت لبناء الجسور بين الفرقاء وابتعدت بشفافية وتسامح عن تلون المتلونين والمصالح الضيقة للطامحين وسعت للانتصار لمبادئها ولقيمها إلى أسماء صامتة تحملها جدران أو نقوش المثوى الأخير. والموت يوجع دوما، إلا أنه يعصف بالوجدان حين يتجرأ على البكاء بين باسم صبرى وسامر سلبمان وحسام تمام الذين كانوا فى وسط الحياة لينجو بالآخرين ومعهم من طوفان الكراهية أو ليتوحدوا معهم ويذوبوا فيهم حين يأتى الطوفان بحثا عن الميلاد الجديد، عن البداية الجديدة.

•••

عشرون قد مضين كالدهور كل عام / واليوم حين يطبق الظلام / واستقر فى السرير دون أن أنام / وأرهف الضمير دوحة إلى السحر / مرهفة الغصون والطيور والثمر / أحس بالدماء والدموع كالمطر / ينصحهن العالم الحزين / أجراس موتى فى عروقى ترعش الرنين / فيدلهم فى دمى حنين / إلى رصاصة يشق ثلجها الزؤام / أعماق، كالجحيم يشعل العظام / أود لو عدوت أعضد المكافحين / أشد قبضتى ثم أصفع القدر / أود لو غرقت فى دمى إلى القرار / لأحمل العبء مع البشر / وأبعث الحياة، إن موتى انتصار .. بدر شاكر السياب.

•••

والآن ماذا بعد؟ هم يباغتهم الموت والأرض العتيقة بلا ناجين، هم يباغتهم الموت الذى لا يتجرأ على البكاء فى وسط من يعجزون عن حمل العبء مع البشر أو يعزفون عن حمله أو يعتاشون عليه، هم يباغتهم الموت وتسير من ورائهم الحياة محتشدة ومتأهبة لتجديد تقديم القرابين إلى الآلهة طلبا لأن لا يأتى الطوفان، قرابين بأطلال أحلام كانت لهم ولنا وببقايا أدوات كانت لهم دون غيرهم وبصمت لحظى مخادع تفرضه هيبة صمت الموت الأبدى سرعان ما يبدده ضجيج أصحاب الحقائق المطلقة وكارهى الإنسانية والمعتاشين على الهيستريا الجماعية والخوف وعلى تقييد العقل والضمير وقمع الفكر والحرية، قرابين تشى لمن يعمل بها ملكة النظر التى كانت لباسم صبرى وسامر سليمان وحسام تمام بأن الإجابة الوحيدة على سؤال البشرية المتكرر هى أن الطوفان قادم لا محالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.