عمرو حمزاوى يكتب | هموم المجتمع المدنى

عمرو حمزاوى يكتب | هموم المجتمع المدنى

عمرو حمزاوي

هى، إذن، أداة تستخدمها فى بلدان مختلفة السلطة التنفيذية حين تتغول على المواطن والمجتمع وحين تسعى لفرض الصمت الكلى أو الجزئى على انتهاكات حكم القانون والحقوق والحريات.

فى روسيا، تضغط حكومة الرئيس فلاديمير بوتين منذ سنوات على منظمات المجتمع المدنى والجمعيات الحقوقية وتلاحقها بالقمع والقيود الكثيرة على عملها ومواردها التنظيمية والمالية وبالتهديدات المستمرة بالإغلاق وبالمحاكمات العاجلة ما لم تقبل الخضوع لإرادة السلطة التنفيذية والتحول من منظمات وجمعيات مستقلة إلى كيانات على الورق غير حكومية وفى الواقع الفعلى مستتبعة حكوميا ومسيطر عليها.

وتتكرر ذات ممارسات وإجراءات السلطة التنفيذية إزاء منظمات المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية فى بلدان كبرى كالصين التى لا تنكر حكومتها عداءها للتنظيمات الوسيطة المحلية والدولية، والمجر التى وإن كانت تشهد منذ تسعينيات القرن العشرين انتخابات حرة وتعددية ولها منذ سنوات قليلة عضوية بالاتحاد الأوروبى إلا أن حكوماتها اليسارية واليمينية المتعاقبة لم تتوقف أبدا عن تعويق عمل المجتمع المدنى، والسعودية التى لا تمنح التراخيص الرسمية للمنظمات الحقوقية وغير الحكومية إلا فيما ندر، وزيمبابوى التى يتعامل بها الرئيس روبرت موجابى المتشبث بالحكم منذ عقود مع المجتمع المدنى كمجموعات تخدم مصالح القوى الأجنبية والإمبريالية والرأسمالية العالمية.

وتتكرر ذات ممارسات وإجراءات السلطة التنفيذية فى مصر التى أصبح بها الانتماء المهنى أو التطوعى لمنظمات المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية العاملة فى مجال الحقوق والحريات بمثابة التورط فى «أفعال إجرامية» مصنفة سلفا، والسعى لتكوين كيانات غير حكومية والحصول لها على تراخيص رسمية تخضعها لشروط الشفافية والنزاهة والعلنية ولرقابة الأجهزة التنفيذية والسلطة القضائية التى يؤسس لها حكم القانون أملا بعيد المنال، ومحاولة الوصول إلى توافقات مع الحكومة بشأن تمكين المجتمع المدنى من النشاط والعمل فى بيئة آمنة قانونيا ومجتمعيا ومع التزام المنظمات والجمعيات والكيانات المختلفة بشروط الشفافية والنزاهة وبحكم القانون أمرا بدت احتمالاته أكثر واقعية فى 2010 مقارنة باليوم.

لا أنازع أبدا فى حق السلطة التنفيذية والسلطة القضائية فى الرقابة العلنية والقانونية على المجتمع المدنى وعلى مصادر التمويل وأوجه النشاط والعمل، ولا أنازع أبدا فى أن للدولة المصرية صلاحية معرفة مصادر التمويل الخارجية الواردة للمجتمع المدنى والتثبت من اكتمال شروط الشفافية والنزاهة وعدم تعارضها مع مقتضيات السيادة الوطنية، ولا أنازع أبدا فى ضرورة المحاسبة الناجزة لمن يخالفون القانون فى مجال المجتمع المدنى كما فى جميع المجالات الأخرى.

إلا أن تنزيل هذه الثوابت على الواقع الفعلى للمجتمع المدنى بمنظماته وجمعياته وكياناته الوسيطة، والتى تعبر فى الأساس عن مصالح المواطن والمجتمع ويفترض أن تحميهما فى إطار تعاون مع مؤسسات وأجهزة الدولة وسلطاتها دون تغول أو استقواء أو سرية أو صراع دائم، له أن يحدث دون ممارسات وإجراءات استثنائية تصدر القمع والقيود والضغوط والتشكيك من قبل السلطة التنفيذية فى المجتمع المدنى ودون صياغات قانونية تحول بين المجتمع المدنى وبين الحصول على تراخيص رسمية للنشاط والعمل على نحو علنى وشفاف ودون فرض الخضوع لإرادة الحكم كشرط للوجود والبقاء وإتقاء القمع الذى تواجهه منظمات وجمعيات وكيانات واجبها هو حمايتنا من القمع ودون تهديدات متلاحقة للعاملين مهنيا وتطوعيا فى المجتمع المدنى بالمحاكمات وبالعقاب السالب للحرية لدفاعهم عن الحقوق والحريات.

مجددا، أذكركم أن هذه لحظة للتضامن والتعاون بين المواطن والمجتمع والدولة، لحظة للعمل المشترك لمواجهة الإرهاب الذى يسقط منا جميعا شهداء وضحايا ومحاربة الإهمال والفساد والانتصار لحقنا فى وطن عادل ومتقدم، لحظة لاستعادة ثقة وطاقة وفاعلية قطاعات شعبية كثيرة باتت تشعر بالإحباط وتعزف عن الشأن العام وتتابع بيأس الهجمات السلطوية على المواطن والمجتمع. مجددا، أرجوكم توقفوا عن إفساد التضامن والتعاون المطلوبين بسبب هواجس الحكم ورفضه للديمقراطية، توقفوا عن الضغط على المجتمع المدنى وهو فى موقع القلب من مواجهتنا للإرهاب والعنف والمظالم وغياب العدل.

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.