عمرو حمزاوي يكتب| هامش للديمقراطية.. الصارخ ــ البائس ــ الخائف

عمرو حمزاوي

فى حياة الدول والمجتمعات، كما فى حياة الإنسان، لحظات فارقة تختبر المبادئ والقيم وتسبر حدود الالتزام بأهداف التقدم والحرية والمساواة والعدل. فى حياة الدول والمجتمعات، كما فى حياة الإنسان، لحظات فارقة تتمايز بها وربما بحدة وفى استقطاب المواقف والتفضيلات والاختيارات وقد تدفع البعض إلى ممارسة النقد الذاتى وإعادة النظر فى أفعال وممارسات يثبت إخفاقها. فى حياة الدول والمجتمعات، كما فى حياة الإنسان، لحظات فارقة تحدد نتائجها طبيعة الحاضر ومسارات المستقبل. وبينما يندر أن تتعامل الديمقراطيات المستقرة والناشئة مع لحظاتها الفارقة فى ظل غياب للمعلومة وتزييف للحقيقة وصناعة للخوف وترويج لهيستريا الكراهية وإلاقصاء، يندر أن تنعتق النظم الشمولية والسلطوية والنظم المسخ من هذه المتوالية السوداء وهو ما يفرض على الأصوات القليلة المتمسكة بقيم التقدم والحرية والمساواة والعدل وضعية أشبه بثلاثية الصارخ ــ البائس ــ الخائف التى تعبر عنها لوحة «الصرخة» للرسام النرويجى إدوارد مونش (ولد فى ١٨٦٣ ورحل عن عالمنا فى ١٩٤٤).

أصرخ اليوم فى مصر، وثيقة دستورية تتجاهل ضرورة رقابة السلطات المدنية المنتخبة على الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية وتجعل من الأخيرة دولة فوق الدولة ولا تحول بينها وبين التدخل فى الحياة السياسية وتواصل إضفاء شرعية قانونية على الممارسة القمعية المتمثلة فى محاكمة المدنيين عسكريا لن تؤسس أبدا لتنظيم ديمقراطى للدولة وللمجتمع ولن تضمن حقوق وحريات المواطن.

أصرخ ثم أرتد بائسا وأنا أرى وثيقة دستورية كهذه تمررها «أيادى» ادعت طويلا دفاعها عن الديمقراطية وتتناسى الآن «النقد المبدئى» الذى صاغته باتجاه دستور ٢٠١٢ لتغييبه لضمانات الحقوق والحريات ولإقراره الوضعية الاستثنائية للمؤسسة العسكرية. أصرخ ثم أرتد خائفا على مصر وعلى الفرص المهدرة للشروع فى البناء الديمقراطى.

أصرخ اليوم فى مصر، لا بديل عن التزام الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية بالقانون وبحقوق الإنسان والحريات المدنية والسياسية وهى تواجه الأعمال الإرهابية والعنف ولن يرتب التورط فى العنف الرسمى وفى الأفعال والممارسات القمعية إلا إطالة أمد الإرهاب ولن تأتى الحلول الأمنية بمفردها لا بالأمن ولا بالاستقرار للدولة وللمجتمع. أصرخ ثم أرتد بائسا وأنا أرى كتابا ومفكرين ومثقفين يروجون لمقولة «لا صوت يعلو فوق صوت الحرب على الإرهاب» الزائفة ويتورطون فى تعطيل العقل الجمعى للمصريات وللمصريين بتشويه وعيهم واتهام المدافعين عن حقوق الإنسان والحريات بالعمالة والخيانة أو الرومانسية ومحدودية الإدراك. أصرخ ثم أرتد خائفا على مصر وعلى فرصنا فى الانعتاق من الفاشية وعسكرة المخيلة الجماعية وهيستريا التبرير للدولة الأمنية وكذلك من هيستريا التبرير الدينى أو السياسى الزائف للإرهاب وللعنف الأهلى وأنا أطالع اكتساح أبواق تبرير القمع وخدمة السلطان (أى سلطان) وقارئى تقارير الأجهزة الأمنية للمساحة العامة والإعلامية ومساومة آخرين على المعلومة وتحايلهم على الحقيقة ركوبا «للموجة» ودفاعا عن الدور والمصلحة.

أصرخ اليوم فى مصر، يتهددنا الخروج من التاريخ ومساره المعاصر باتجاه التقدم والحرية والمساواة والعدل ونبتعد عن النزعة الإنسانية التى نحتاجها للتمكين للمواطنة وللعيش المشترك وللسلم الأهلى المتجاوز للحدود الفاصلة للهويات الدينية والمذهبية وللقناعات والانحيازات السياسية ونتحول إلى دولة تمارس أجهزتها ومؤسساتها المعايير المزدوجة ومجتمع يكره ولا يحب أو يتسامح ومواطن يستيقظ على العنف ويمسى على انتهاكات حقوق الإنسان والحريات. أصرخ ثم أرتد بائسا وأنا أرى الكثيرين ممن تنادوا إلى أن المواطنة والعيش المشترك والسلم الأهلى لن يؤسس لها إلا باحترام لحقوق الإنسان والحريات وبسيادة القانون وتداول السلطة وبعدالة انتقالية تحاسب دون انتقائية المتورطين فى الانتهاكات منذ ١٩٨١ يتجاهلون أصداء نداء الماضى وينقلبون عليها. أصرخ ثم أرتد خائفا على مصر العاجزة عن التصالح مع الماضى والحاضر بعد المساءلة والمحاسبة دون انتقائية، مصر التى تفرض عليها المعايير المزدوجة وهيستريا تبرير القمع وهيستريا تبرير العنف والكراهية العمياء والنظر بعيدا عن المستقبل وحياة وحقوق الأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.