عمرو خفاجى يكتب|ثوار ونخبة

عمرو-خفاجى

تتأرجح الحالة المصرية منذ يناير ٢٠١١، بين جدل النخبة والثوار، تحت عناوين طيبة ووديعة أحيانا مثل صراع الثورة والإصلاح، وعناوين شريرة فى أحيان أخرى مثل العمالة والخيانة فى مقابل الإخلاص والوطنية، ودائما تحت شعار معركة التغيير فى مواجهة معركة الرجعية، وبينهما معارك فرعية، تتقدم أحيانا للواجهة، (المدنية فى مقابل العسكرية) و(المدنية مقابل الفاشية الدينية)، هذا التأرجح لم يعرف السكون أو الاستقرار خلال الشهور الأربعة والثلاثين الماضية، وربما يكون قد بلغ مداه ونحن على أعتاب التصويت على تعديلات دستور ٢٠١٢، والذى كان نتاج صراع (الحالة المدنية فى مواجهة الحالة الدينية)، وهو أيضا من اللحظات القليلة النادرة خلال الفترة الماضية التى خفت فيها صوت الثوار، وصمتت الثورة عن الاعتراض.

ها هو المشهد يتشكل من جديد عبر أطراف أربعة، نخبة مدنية ــ سلفية باتت متحكمة فى مقاليد الأمور وتستعد للوثوب على الحكم بمساندة عسكرية، وإسلام سياسى رافض لكل ما يحدث ويعمل بكامل طاقاته الداخلية والخارجية، الإقليمية والعالمية أملا فى العودة للسلطة، وثوار رافضين للمشهد برمته، ناقدين بحدة للطرفين لكنهم لا يملكون أية بدائل لذلك المشهد، وأخيرا جماهير تعبت وأرهقت من صراخ المشهد وضجيجه واقتربت من الكفر بثلاثتهم، لكنها أيضا لا حول لها ولا قوة بعد أن استنفدت جميع اختياراتها ومواءماتها بين النخبة المدنية والسلطة الدينية وأحلام الثوار، ولم تجد أمامها الآن سوى اللجوء إلى المؤسسة العسكرية لتخليصها من كل ذلك.

المحير فى هذا المشهد، تبادل الأدوار بين النخبة والثوار، فالنخب التى لم تجد لها مكانا فى مشهد ما قبل ٢٥ يناير، كانوا فى طليعة الثوار الرافضة لجميع الأفكار الإصلاحية، وهم أنفسهم الذين عادوا مجددا لمقاعدهم النخبوية وأفكارهم الإصلاحية حينما قرروا المشاركة فى صناعة الدولة الجديدة، وهو أيضا ما ينطبق على مجموعات عديدة من الثوار التى وجدت لها مساحة ما فى السلطة، أو مقاعد فى مقدمة صفوف المشهد السياسى، وهؤلاء الثوار يتحولون إلى نخب فور حصولهم على ما يعتبره البعض مكتسبات، فى مقابل عودة النخب التى خرجت من السلطة أو من مقاعد الصفوف الأمامية، إلى ميادين الثورة مجددا، طبعا هذا لا ينطبق على الجميع، فدائما هناك المخلصون أصحاب المبادئ، لكن المشهد العام يخبرنا بتبادل مستمر فى الأدوار بين النخبة والثوار، دون أن تفرض الثورة إرادتها على منهج الحكم، حتى لو وصل إليها عدد لا بأس به من الثوار، وهذا ما يجب أن نلتفت إليه ونقاومه، من أجل أن تتمكن الثورة من فرض أهدافها بالآليات التى تراها مناسبة لذلك، خاصة بعد أن اكتشفنا أن وصول ثوار للحكم لا يعنى بالضرورة أن الثورة ستحكم، بدليل أن هناك بعض الإصلاحيين كانوا أكثر ثورية فى قراراتهم ومواقفهم من بعض الثوار الذين كانوا مغالين ومتشددين فى مواقفهم الثورية.

يبقى أن تتضح الرؤية فيما نرغبه حقيقة فى التغيير فى اتجاه مصر الجديدة، وأن تكون هذه الرؤية متفقا عليها محققة لأهداف الثورة قادرة على الإنجاز، لأن لعبة تبادل الأدوار يمكن أن تستمر لسنوات طويلة، ولن نحصد ساعتها سوى تسرب الثورة من بين أيدينا والعودة من جديد لبراثن حكم مستبد، سيكون، بالضرورة، أكثر شراسة من سابقيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.